Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

قراءة في فيلم ـ تقاطع نسبيتين في فيلم وصول Arrival

“وصول”

هو فيلم ‏خيال علمي من إخراج دينيس فيلنوف وكتابة إريك هايزرر، مقتبس من رواية “قصة حياتك” من تأليف تيد تشيانغ، وهو من بطولة إيمي آدمز وجيرمي رينر وفورست ويتكر.

وقد كان من الأفلام “النخبوية” (من حيث عمق الطرح) القليلة التي حققت نجاحاً تجارياً باهراً من حيث الإيرادات من جهة ورضا النقاد من جهة أخرى.

وفي رأيي فإن ما يميز هذا الفيلم عن غيره من أفلام الخيال العلمي الشائعة التي تستقي على الأقل بعضاً من تفاصيلها من نظريات علمية هو ما يلي:

– تميل عادة مثل هذه الأفلام إلى الاستعانة ببعض مفاهيم الفيزياء النظرية ثم تتمادى في تطبيقات خيالية لها كما هو الحال مع فيلم Interstellar والذي وإن اعتمد بعض المعطيات العلمية السليمة في مواضيع الجاذبية وتدفق الزمن والثقوب السوداء، إلا أنه تمادى بشكل غير علمي في صناعة الأحداث كأنْ سمح لأحدهم بالولوج لثقب أسود والخروج منه سالماً دون أن تسحقه الجاذبية!

– ربما كان هذا هو فيلم الخيال العلمي الأول الذي كان أحد أسسه نظرية إنسانية في علم اللغة وليس الفيزياء النظرية فقط كما سيتم تفصيله لاحقاً.

– تداخل الحبكة الدرامية في الفيلم مع المحاور العلمية التي بُني عليها بشكل رائع، بحيث لا يظهر أن أحد الجانبين مفروض على الآخر، كما في كثير من أفلام الخيال العلمي.

ومن أجل توضيح ما أعنيه سابقاً أرى أنه من الضروري أن أشرح بشكل موجز ما أعنيه بالنسبيتين كما ورد في العنوان.

النسبية اللغوية: هي إحدى نظريات علم اللغة التي تقترح أن إدراكنا للعالم محدود باللغة التي نستخدمها (وذلك لكوننا لا نستخدم اللغة لغرض التواصل فقط ولكننا نستخدمها كأداة للتفكير كذلك)، وحيث إن لمفردات أي لغة بعداً ثقافياً وحضارياً متراكماً، فإن فهمنا للعالم حولنا مبنيّ على اللغة التي نتحدث ونفكر بها.

النسبية العامة: كما طرحها عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين، والتي تقوم على فكرة أن الزمن هو بعد رابع للأبعاد المكانية الثلاثة، وبناء عليه فإن مفهوم تدفق الزمن وتقسيمه لحاضر وماضٍ ومستقبل هو وَهْمٌ تفرضه علينا محدودية إدراكنا المحصور بالأبعاد الفضائية الثلاثة التي تجزّئ الفضاء الكوني (المكان + الزمان) إلى سلسلة من الإسقاطات ثلاثية الأبعاد، ويشكّل التتابع في إدراكها وهم الشعور بمرور الزمن، في حين أن الفضاء الزمني هو في الحقيقة كتلة واحدة متصلة يتزامن فيها الحاضر والماضي والمستقبل ولا تتميز فيه لحظة عن أخرى، وهو ما عناه ألبرت أينشتاين حين قال: “إن مرور الزمن هو وهم مهما كان مُلحاً”.

ومن خلال الربط بين النسبيتين السابقتين يمكن فهم حبكة الفيلم الأساسية، فعالمة اللغويات في الفيلم ومن خلال تعلمها للغة الكائنات الفضائية استطاعت أن ترى العالم من منظور هذه الكائنات بناء على افتراضية النسبية اللغوية، وحيث إن هذه الكائنات لا تتعامل مع الوقت بشكل خطي (وهي طريقة أخرى لطرح موضوع تداخل الحاضر والماضي والمستقبل)، فقد نجحت عالمة اللغة هذه في استشراق “المستقبل” واستخدام معطياته في الوقت “الحاضر”، وانعكس هذا الفهم بشكل عميق على حياتها الخاصة وبالتالي تسلسل الأحداث في الفيلم، وهو ما وصفته هي بـ”تداخل البدايات والنهايات”، وانتهى بها الأمر إلى التسليم بالقدر، وقبول فكرة وفاة ابنتها حتى قبل أن تحمل بها!

فكرة علمية أخرى غريبة تطرق لها الفيلم وهي ما يطلق عليه اسم السببية المعكوسة أو Reverse Causality، وهي مستمدة من نظرية الكم الفيزيائية (وليس نسبية أينشتاين) وإن كانت مرتبطة بها، ومعناها ببساطة أن ما تفعله في المستقبل يمكن أن يؤثر على الحاضر، كما أن ما تفعله في الحاضر يمكن أن يؤثر على الماضي، وهي فكرة تتناقض تماماً مع بديهيات الإدراك البشري، ولكن قد تم التأكد من صحتها على مستوى الجسيمات الأولية في تجربة علمية مشهورة باسم التأثير الكمي المؤجل Delayed quantum effect؛ حيث تبين لدى إجراء هذه التجربة أن آلية رصد جسيم أولي معين في الحاضر تؤثر على ماضي الجسيم وتجعله يختار مسارا معيناً في الماضي! وهي الفكرة التي استلهمها هذا الفيلم عندما استعملت البطلة حديثاً مستقبلياً مع جنرال صيني لتقنعه بوجهة نظرها في الحاضر، الأمر الذي أقنعه بقبول ما طلبته من تشارك للمعلومات بين الدول.

رغم أن ما ذكر سابقاً يبدو لا معقولاً وهو بالتأكيد ليس بديهياً، بل متناقضاً مع البديهيات التي نسلم بها، فإن هناك من الأسس العلمية النظرية والمخبرية ما يؤكده، الأمر الذي يعكس محدودية إدراكنا أكثر من شيء آخر، وكل ما يبقى في هذا السياق هو إبداء الإعجاب الكبير لمن صاغ وأنجز حبكة درامية مؤثرة بناء على هذه المعطيات العلمية والإنسانية.

ـ جهاد إبراهيم

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: