Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

حكاية إنسان محروم من المطر ـ مصطفى تاج الدين الموسى

أن يكون بينكَ وبين المطر سوء تفاهم، فهذه ــ على ما أظن ــ بالنسبة لسكان المدن قد تُصنف كجريمة يعاقب عليها القانون بالسجن، لكن ــ متأكد ــ بالنسبة للفلاحين في القرى البعيدة، هذا عار لا يمحا إلا بالموت.
راقبتُ منذ قليل ـ بحسرة ــ محاولة خجولة للمطر، هطل بشكلٍ بسيط معلناً اقتراب الشتاء، لنقل إنها محاولة فاشلة، لكن.. سوف تنجح قريباً، وبغزارة.
عشتُ محروماً من المطر لسنوات، في ذلك الشتاء كنتُ جالساً في المقهى مع فتاة جميلة والمطر ينهمر في الخارج، قلتُ لها : (أنا أحبكِ) كنتُ أكذب عليها، هي صدقتني.. خرجتُ من المقهى لأرجع سعيداً إلى غرفتي، كلّ شاب في هذه الدنيا لديه مثل هذه الأكاذيب، ليس أنا فقط.. لكن المطر لم ينتبه لكاذب غيري.
آنذاك، انتبهتُ قبل وصولي لغرفتي أنه ولا قطرة مطر واحدة لمستني رغم هطوله الغزير، وقفتُ مندهشاً في الشارع ورفعتُ رأسي، المطر ينهمر على كل شيءٍ حولي ما عدا جسدي. يبدو أن المطر انتبه لكذبتي وقرر أن ينتقم مني (هكذا خمنتُ في سري وقتها) ظننتُ وقتها أنه انتقامٌ سريع ثمّ ينساني.
مرّت السنوات على هذه الحال، شتاء وراء شتاء، أتمشى تحت المطر فلا أتبلل بقطرة واحدة وكأن فوقي غطاء سميك لا مرئي مثل غطاء البرميل، أقفز مثل مجنون وألكم الفراغ فوقي، لكن المطر يتجاهلني.
حتى لا ينكشف أمري وينفضح سري أمام الأصدقاء صرتُ أتجاهل مشاويرهم في الشتاء، وإن اضطررتُ للخروج وكان الجو ماطراً أرش الماء على نفسي ثمّ أخرج لأبدو طبيعياً، وأنه لا يوجد مشكلة بيني وبين المطر، وأنني لم أكذب أبداً على فتاة ٍ في ذلك الشتاء عندما قلتُ لها إنني أحبها.
أراقب الناس في الليالي الماطرة والمطر ينهمر عليهم في الشوارع وأتحسر.
كلهم يكذبون مثل هذه الكذبة، لماذا أنا بالذات؟! تركهم المطر ووضع عقله بعقلي!.
قد أعثر على هذه الفتاة يوماً ما، يمكن في ازدحام السوق، سوف أقترب منها مسرعاً، وأقول لها مرتبكاً بصدق: (بحثتُ عنكِ طويلاً، أنا أحبكِ)
في عينيّ سوف تشاهدني كيف كنتُ أجلس كل شتاء خلف نافذتي أراقب المطر وأفكر بها.
وبعد أن أمضي مبتعداً عنها يهطل المطر بغزارة عليّ.. عليّ فقط، بينما الناس في الشوارع، الذين لن يهطل عليهم المطر وقتها، يحدقون فيّ بحسرة.

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: