Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

العدالة الاجتماعية في ألمانيا تؤرق الاقتصاديين

تشهد ألمانيا منذ فترة غير قصيرة، نقاشات حول موضوع العدالة الاجتماعية الذي يطاول جزءاً كبيراً من الناس، خصوصاً الذين لا يحصلون على ما يكفي معيشتهم ومعيشة عائلاتهم. ويطرح هذا المطلب مختلف الأحزاب الألمانية من اليسار إلى اليمين ويجد مكاناً مميزاً له في برامجها، باعتباره مدماكاً رئيساً لحق الإنسان في عيش محترم.

ويعود موقف الجميع إلى الدستور الألماني ذاته الذي تنص المادة الثانية فيه بوضوح على صون كرامة الإنسان وحقوقه. والجميع يتحدث هنا كما في الدول الأوروبية الغربية عن «السوق الاقتصادية الاجتماعية» المختلفة عن «اقتصاد السوق الرأسمالي» الذي يرفض تدخل الدولة في مساره، متسائلين عما إذا كان الاقتصاد الألماني «اجتماعياً عادلاً».

والجواب عن هكذا سؤال ليس سهلاً أبداً، إذ إن بعضهم يكتفي بالإجابة بـ «نعم» أو «لا» تبعاً لمشاعره الخاصة ولأوضاع العمل الذي يمارسه ومردوده المالي، وبعضهم الآخر، خصوصاً الباحثين الاقتصاديين، يطرحون بدورهم السؤال ويبحثون في كيفية التحقق من الأمر على أرض الواقع من خلال الاستقصاء والتحليل والاستنتاج.

وهذا ما فعله الباحثان الاقتصاديان مانويلا باريتشيك وأندرياس بايشل اللذان عملا أكثر من سنة للخروج باستنتاجات من دراسة واسعة شملت الفترة ما بين 1950 و 2014، بهدف معرفة مدى صحة القول إن اقتصاد السوق في ألمانيا «اقتصاد اجتماعي عادل».

وللوصول إلى مبتغاهما، وضع الباحثان أدوات العمل المطلوبة التي تسمح لهما بقياس ما إذا كانت الحكومات الألمانية تمكنت على مدى العقود الماضية، من تحقيق هذا الوعد المركزي أم لا. فمن جهة تقول المستشارة أنغيلا مركل وحزبها إن «الألمان يعيشون في أجمل وأفضل بلد حصلنا عليه»، ومن جهة أخرى تقول المعارضة إن «الوقت حان لإقامة عدالة اجتماعية أكبر في البلاد».

وذكر الباحثان أن بين عام الوحدة الألمانية 1991 وعام 2014، لم ترتفع الرواتب في البلد أكثر من 1.3 في المئة سنوياً. وبما أن معدل النمو الاقتصادي السنوي لم يتجاوز الـ0.6 في المئة وسطياً، لم يستفد منه سوى 40 في المئة من أصحاب الدخل المتدني في البلاد، فيما بقي 60 في المئة منهم على قارعة الطريق.

يُذكر أن نسبة أصحاب الدخل المتدني في شرق ألمانيا أعلى منها كثيراً في غربها حيث لا تتجاوز الـ18 في المئة، وبالتالي لا يمكن الحديث هنا عن وجود عدالة اجتماعية حقة في البلاد.

وقالت الباحثة باريتشيك إن الدراسة تظهر أن «لولا تأثيرات التوزيع اللاحق لنظامي الضرائب والتحويلات المالية من جانب الدولة، لكان وضع اللامساواة أكبر داخل المجتمع». وتقصد الباحثة هنا العلاوات المالية والاجتماعية التي يحصل عليها من الدولة أصحاب الدخل المحدود والعاطلون القدامى من العمل والأطفال والمتقاعدون.

إلى ذلك، أوضحت الدراسة أن معدل الموجودين على حافة الفقر في ألمانيا ازداد في السنوات العشر الأخيرة، على رغم الانتعاش الاقتصادي الحاصل. وتبعاً للمؤشر الذي تم اعتماده منذ عام 1950 في البلد وأظهر صعوداً مستمراً في وضع التوزيع العادل للنمو فيه، تبدل الأمر بوضوح بعد الوحدة الألمانية عام 1990. وتابعت أن المؤشر المذكور انخفض بسرعة بفعل ارتفاع حالات البطالة والفقر في شرق البلد، الناتجة من إقفال المصانع والشركات والمؤسسات وعدم المساواة في الدخل في البلد الموحد. ولا شك في أن الصورة تغيرت كثيراً في السنوات الماضية، وهو ما أشارت إليه الباحثة. ورأى زميلها الباحث بايشل أن الازدهار في ألمانيا اليوم «هو أكبر من أي وقت مضى، وأن العمل على تمكين أكبر عدد من المواطنين من الإفادة منه مادياً يبقى التحدي الأكبر لأي سوق اقتصادية عادلة»، لينهي كلامه بالقول: «بمعنى آخر: نعم توجد عدالة اجتماعية في ألمانيا، ولكن…».

-عن صحيفة(الحياة)

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: