الحلم الكردي المُحِقْ بين الذاتي والموضوعي -مصطفى الدروبي

جاءت دعوة إجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق من خلال رئيس الإقليم السيد مسعود برزاني ولأكثر من مرة ثم تم تحديده بشكل نهائي وأجري فعلياً بتاريخ الخامس والعشرين من سبتمبر / أيلول الماضي وذلك في ظل ظروف محلية وإقليمية بالغة التعقيد حيث المنطقة تعيش على صفيح الإرهاب الجهنمي الذي وسم المرحلة بالتوحّش التراجيدي لقوى الظلام والتشدّد والديكتاتورية والتي فاض إجرامها المهول على كل ماشهدته البشرية في تاريخها القديم والحديث من جائحات القتل والدمار والتهجير وامتهان الكرامة الإنسانية دون أي رادع أو وازع مشحونة بزعاف العداء الطائفي والتحريض البغيض لمرجعيات سفيهة كرست جلّ وقتها لصب المزيد من نار الحقد على الحرائق المنتشرة هنا وهناك .. وكانت إرهاصات هذه المرحلة قد دشّنها الأمريكان بغزوهم للعراق سنة 2003 م مشتغلين على تنفيذ أجندتهم مسبقة الصنع والمتمثّلة بهدم أركان الدولة العراقية بحجة امتلاكها لأسلحة التدمير الشامل والوعود السخيّة بإحلال الديمقراطية في العراق بعد اسقاط نظام صدام حسين والذي لم يعد قادراً على تقديم المزيد من الخدمات للأمريكان بعد خوضه حربين استهلكت الكثير من قدراته . كل ذلك كان إيذاناً بانطلاقة الفوضى ( الخلّاقة ) التي أعلنت عنها مستشارة الأمن القومي الأمريكي آنذاك كوندليزا رايس .. لقد تمخض عن إسقاط نظام صدام حسين تشكيل حكومة عراقية جديدة استندت إلى دستور قامت بوضعه سلطة الاحتلال ممثلة بالحاكم المدني بول بريمر والذي أصبح الدستور المؤسس للعراق الحديث و القانون الفيدرالي الذي يُحكم العراق به منذ عام 2006 وقد تمت الموافقة على الدستور من قبل الأطراف كافة وخاصة من قبل المكوّنيين ( الشيعة العرب والكرد ) واللذيّن ساهما بشكل كبير في تشجيع الأمريكان على إسقاط النظام الديكتاتوري وأضحى هذا الدستور المرجعية الحصرية لفض إي خلاف أو تنازع بين الأطراف التي شكّلت العهد الجديد..ثم هبت بعد ذلك عواصف الربيع العربي منطلقة من تونس ومبشّرة بغد أفضل لشعوب تواقة للحرية والعدالة والكرامة ..إلا أن هذا الربيع سرعان ما خُطف من قبل الثورة المضادة للأنظمة الديكتاتورية وصنائعها المتمثلة بقوى الظلام والتّطرف وغياب توفرالدعم الجدي لطلائعها من لدن الغرب الذي تاجر كثيراً بقضية الديمقراطية منذ عهده الليبرالي المنصرم إلا أنه خذلها وخشي من انتصارها …مما أحال الربيع المأمول إلى جحيم حقيقي كان عنوانه العريض الخوف من تمزيق الكيانات القائمة وإعادة هيكلة الجغرافية السياسية في المنطقة من خلال رسم خرائطها بالدم والتهجير والقهر والمرض والجوع مما شكّل هاجساً بقدوم الأسوأ والأفدح لدى الشعوب والحكام . في هذه الأجواء جاء الإعلان عن نيّة إجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق والمناطق المتنازع عليها منذ عشرات السنين ( خاصة كركوك الغنية بالنفط ) … فلاقى تحذيرا محلياً وإقليماً ودولياً بسبب أن الظروف غير مؤاتية لإجراءه كون أن الصف الكردي غير موحّد نتيجة الخلافات بين الأحزاب الكردية الوازنة …والبرلمان معطل بسبب رفضه التجديد لولاية جديدة لرئيس الإقليم والحكومة المركزية في بغداد تعتبر هذا خرقاً دستورياً من طرف قيادة الإقليم الذي لو انفصل لعرّض وحدة التراب العراقي للتشظي وشجع الآخرين على الإنفصال مما سيهدد وحدة العراق ويفتح أبواباً واسعة لحروب أهلية لن تخمد أوارها بالمديات المنظورة ..أما إقليمياً فإن الإقليم لو إنفصل وشكّل كياناً مستقلاً فإنه سيشجع الكرد على المطالبة بالإنفصال خاصة في كل من تركيا وإيران هاتين الدولتين القويتين واللتين لن توفرا جهداً في خنق الإقليم الوليد وقطع سبل الإمداد عنه وتعريض إقتصاده للإنهيار خاصة أن الإعلان جاء بمرحلة قاسية من شح الموارد المالية وعجز موازنة الإقليم والتململ الواسع من قبل الجماهير الكردية التي تعاني من ضيق العيش وانقطاع رواتب العاملين لشهور طويلة..

إن الأماني شيء وتوفر شروط تحقيقها شيئاً آخر.. حيث العقلانية تتطلب الإشتغال على تحقيق حلم الكيان الكردي من خلال الحسابات الواقعية … فالعبرة ليست بإعلان الدولة الكردية بل بالقدرة الكافية على الاحتفاظ بهذه الدولة واستمرار تحقيق شروط تنميتها وتوفيرالعيش الكريم للشعب في الداخل والأمان والسلام في محيطها وهذا ليس من اليسير تحقيقه ونحن نتابع في هذه الأيام المتغيرات الدراماتيكية السريعة التي شاهدناها على مسرح الأحداث… إننا نرى أن خطوة السيد مسعود البرزاني ( والباحث عن مجد شخصي ) هي مغامرة كبرى قد تدفع بالقضيّة الكردية لمصير لا تحمد عقباه …وقد تفرّط بكل الإنجازات التي حققها الأخوة الكرد بالكثير من التضحيات وعبر عقود طويلة حيث وللأسف لم يُحسن قراءة التّداعيات المتوقعة على إجراء الاستفتاء وموقف الحلفاء الأعداء في الداخل وفي الخارج وكذلك الخذلان الذي تعرض له من قبل الغرب والأمريكان ولم يدرك ما تركه تدخل الإسرائيليين وتشجيعهم للقيادة الكردية على الذهاب بعيداً نحو الاستقلال بعد الاستفتاء ورفع الإعلام الإسرائيلية إلى جانب علم كردستان مما شكل استفزازاً واسعاً لدى حلفاء الكرد من الشعوب العربية وغيرها والتي تربطها بالشعب الكردي الكثير من المشتركات … فالحكومات قد تطبّع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لكن الشعوب تأبى…والمفارقة الصادمة في هذا المشهد أن المُغتصب الإسرائيلي الذي يمنع الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره يشجّع طرفاً له الحق كالفلسطينيين في بناء كيانه الوطني !! إننا نرى أنه ليس من مصلحة الأخوة الكرد عداء شعوب الإقليم المشرقي الواسع وكسب الإسرائيلي المتمرّد على كل شرعة دولية كون إسرائيل لا تبحث في النهاية عن حلفاء ..بل تبحث عن أدوات توظفها لمخططات الحركة الصهيونية العالمية ورأس مالها المالي سعياً نحو الهيمنة والتحكم بمقدرات المنطقة. في الختام نرى أن الشعب الكردي في هذه المرحلة التاريخية العصيبة يتقاسم نفس الأحلام والأماني بالحرية والعدالة والسلام والتنمية مع شعوبها كافة وعلى القيادات الكردية أن تفيد من عبر ودروس التجارب السابقة لها وكذلك تجارب الشعوب المجاورة متذكّرة ما قاله شاعر فلسطين محمود درويش وهو يخاطب ياسر عرفات ساعة الرحيل من بيروت والغصة المرة في الحلق : ماذا تريد ؟؟؟؟ دولة أم خيمة ؟؟؟ سؤال درويش يبقى حاضرا ومؤثرا وملهما لنا جميعاً .

مصطفى الدروبي عضو المكتب السياسي حزب اليسار الديمقراطي السوري

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: