Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

هل يُنجِحُ العبادي ما أفشله بشار الأسد؟! ـ بير رستم (أحمد مصطفى)

ربما التطورات المتلاحقة والسريعة على مستوى الشرق الأوسط عموماً، يجعل أي متابع للشأن السياسي يدخل في دوامة بحيث تتعذر لديه الرؤية والقراءة الموضوعية، وصولاً لاستنتاجات دقيقة وطبعاً فإننا لا ندعي؛ الاستثناء عن القاعدة العامة، بل وللأسف ما يثار من غبار عن المعارك السياسية وكذلك العسكرية وتطوراتها على الأرض تجعل منطقة الرؤية ضيقة وضبابية لأي متابع، مما يصعب عليه أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة، لكن سنحاول من خلال هذه المقالة تلمّس بعض الدروب لعلنا نقدم للقارئ بعض المشاهد السياسية والسيناريوهات التي ترسم في مراكز القرار الدولية وعلى الأخص في كل من “واشنطن” و”موسكو” وملحقاتهما المحورية من دول المنطقة وعواصمها التي تشهد تحركات ديبلوماسية مكثفة تترافق بعمليات عسكرية مباغتة؛ مثل عملية “كركوك” وسيطرة القوات العراقية، وفي الجانب الآخر من الحدود أي سوريا سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” على حقول النفط في “ديرالزور”.
وهكذا يمكننا القول؛ بأنّه “هنا حطّنا الجمال”، كما يقول المثل الشعبي، حيث كل الصراعات تتلاقى عند مفاتيح حقول النفط والغاز في المنطقة. وبالمناسبة فقد طُرح عليّ اليوم سؤالاً يمكن أن يكون مدخلاً ومفتاحاً لمقالنا حيث جاء السؤال من خلال مشاركتي في برنامج حواري يقدمه الأخ العزيز؛ “صالح دميجر” القاص والإعلامي في صوت أمريكا فقد طرح التالي: “هل يمكن للروس الدخول على الخط الكردي وذلك بعد أن خذلهم الأمريكان”.

إذاً ها قد وضعنا الخطوة على الطريق الصحيح وعندما تخطو الخطوة الأولى هذه، فمن المؤكد إنك سوف تصل للهدف المنشود؛ بمعنى عندما نمتلك مفتاح قضية ما ستكون قراءاتنا دقيقة وبالتالي الوصول للاستنتاجات والملامح الحقيقية شبه مؤكدة. ولكي لا ندخل في الكلام التنظيري، فإننا سنعود بالقارئ إلى منتصف عام 2009 أو قبل ما يعرف بـ”الربيع العربي” وصولاً إلى سوريا والتي باتت تعيش حربا أهلية بعد أن كان الشعب السوري يطمح بتحقيق ثورة شعبية للإطاحة بنظام الاستبداد والإتيان بالبديل الديمقراطي وهماً أو واقعاً، وطبعاً كل المتابعين للشأن السوري والمنطقة يعلم؛ بأن البلد أو الحكومة السورية كانت تعيش عزلة دولية وذلك بعد اغتيال رفيق الحريري؛ رئيس وزراء لبنان الأسبق، وتوجيه أصابع الاتهام لسوريا، لكن وإذ يتفاجأ العالم بتحرك قطري، فرنسي، تركي لإخراج الحكومة السورية من عزلتها وكانت زيارة الرئيس السوري لـ”قصر إليزيه” وسبقتها زيارات مسؤولين قطريين وأتراك لسوريا ولتختتم تلك الجولات المكوكية الديبلوماسية بعقد لقاء قمة في دمشق بين رؤساء الدول الأربعة؛ سوريا، تركيا، فرنسا وقطر. والهدف هو إقناع الرئيس السوري “بشار الأسد” بالتوقيع على معاهدة مشتركة يسمح بموجبها مد خط الغاز القطري عبر الأراضي السورية وصولاً لميناء “جيهان التركي” ومنها للقارة الباردة أوربا وبالتالي كسر الاحتكار الروسي وإخراج القرار السياسي الأوربي من تحت الهيمنة الروسية.

هنا استشعر الروس بالخطر الحقيقي فتحركوا صوب إيران للضغط على سوريا الحليف المشترك للطرفين وذلك لإفشال المشروع التركي – القطري – الفرنسي وفعلاً نجح الروس والإيرانيون في مسعاهم، بل ونجحوا في إقناع سوريا بالتوقيع على مشروع بديل وذلك بعام 2010 بحيث يمر خط الغاز الإيراني عبر الأراضي العراقية وصولاً لمصفاة حمص على السواحل السورية.. وهنا “جنّ جنون” الغرب والأمريكان وعلى الأخص الدول الثلاث التي أشرنا إليها والتي كانت تأمل؛ بأن توافق سوريا على مشروعها الاقتصادي. ولم تمر أشهر قليلة إلا وكان “الربيع السوري” أيضاً.
إذاً لقد وجدنا المفتاح؛ مفتاح الصراعات في المنطقة حيث الصراع على مناطق النفوذ ورسم الاستراتيجيات بهدف امتلاك الجغرافية التي تخدم تلك المشاريع الاقتصادية الحيوية، كون بات معلوماً؛ بأن الصراع في المرحلة الحالية والمقبلة هو على أهم مصدرين للطاقة “الغاز” و”البترول” وطرق إيصالها لأوربا وتدفئتها، بل من المعلوم أيضاً بأن بعض الجغرافيات يتم الصراع عليها كونها منتجة وخزان كبير للمادتين مثل؛ إيران والعراق وشواطئ دول البحر المتوسط عموماً وصولاً لمصر، وجغرافيات أخرى تلعب دوراً استراتيجياً للمرور والترانزيت مثل تركيا، والتي يمكن أن تلعب دور الجوكر حيث نجاح أي من المشروعين يحتم أو على الأقل تكون أفضل الطرق المرور عبر جغرافيتها. ولذلك نرى بأن تركيا يمكن أن تدعم نجاح أي من المشروعين المتنافسين إذ في الأخير هي التي سوف تستفيد من ريع الترانزيت والخط الذي يمر عبر أراضيها وصولاً للقارة الأوربية.

وبالتالي فإن كل الدول دخلت في الصراع السوري وعلى الأخص تلك الفاعلة في هذه المشاريع الاستراتيجية حيث ومؤخراً نرى بأن هناك تغيير في المواقف والتحالفات والتي تشبه نوع من الانقلابات السريعة وتغيير اللاعبين على رقعة الشطرنج، فمن جهة وبعد أن كان الكرد هم الحلفاء الأساسيين للأمريكان في العراق، بينما بغداد محسوبة على إيران وإذ نتفاجأ بتخلي واشنطن عن حلفائها الكرد لتدخل القوات العراقية لمدينة كركوك النفطية وذلك بمباركة وتحريض إيراني لبعض الكرد للانقلاب على أربيل وحتى على قيادة “الاتحاد الوطني” في السليمانية، وبنفس السرعة وجدنا زيارة السيد “حيدر العبادي” للسعودية والتوقيع على معاهدات عدة تحت مسمى “اللجنة التنسيقية السعودية – العراقية” وبحضور وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون، بل وستلي زيارة العبادي للسعودية عدة زيارات ولعدد من الدول العربية وربما لتركيا أيضاً وهو الأرجح.
وهنا يمكن السؤال؛ هل أوقع الأمريكان بالإيرانيين، كما فعلت هي ببعض الكرد؟
مع هذا التطور فقد وجدنا في الجانب السوري خلال اليومين الماضيين، تقدم قوات سوريا الديمقراطية ووضع اليد على كل آبار النفط في شرقي سوريا وتحديداً ريف دير الزور والرقة ليرافقه تصريح روسي بأن الأمريكان يريدون تأسيس عاصمة جديدة في سوريا بمدينة الرقة بحيث تكون خارجة عن سلطة الأسد.
طبعاً كل هذه التحركات والمستجدات السياسية والعسكرية على الأرض لا تُفهم إلا من خلال الصراع الأمريكي الأوربي من جهة والروسي الإيراني من الجهة الأخرى على إنقاذ مشاريعهم الحيوية، ولو نظرنا لخريطة ما يسمى بالهلال الشيعي الممتد من إيران لبيروت عبر الأراضي العراقية والسورية، فإنها تنافس الخط القطري الممتد لتركيا عبر الأراضي السعودية الأردنية السورية.

ولذلك فإن موافقة الأمريكان لدخول القوات العراقية لكركوك من جهة وزيارة العبادي للسعودية والتوقيع على ميثاق التعاون بين البلدين وبرعاية أمريكية، والطلب من السعودية ودول الخليج في إعادة إعمارها وإخراجها من يد إيران لتعود لحاضنتها العربية، بل ترتيب زيارات عدة للعبادي بحيث كانت المحطة الثانية بعد السعودية هي الأردن مباشرةً ومن ثم ستكون مصر وربما تركيا كما ذكرنا، ولا تستغربوا في الأيام القادمة بأن نجد مصالحة بين الدول الخليجية وقطر أيضاً حيث نشاهد هدوء العاصفة بعد أن كانت هناك الأعاصير التي تريد أن تجتاح منطقة الخليج.
وهكذا نجد أن الأمريكان نجحوا في إعادة فك وتركيب المتناقضات في المنطقة لإنجاح المشروع الذي سوف يكسر شوكة الروس واحتكارهم للغاز الذي يمد القارة العجوز بالدفء والحرارة، لكن وبالمقابل، هل سيرضخ الروس والإيرانيون لهذه التطورات والسيناريوهات المستجدة وخاصةً أن العاصمتين؛ بغداد ودمشق تخضعان للقرار الإيراني، بل تعتبر “سوريا المفيدة” محمية روسية مع ملاحظة أن من يحكم بغداد ليست الحكومة، بل المراجع الدينية والميليشيات الشيعية..؟
بقناعتي إن تحرك الروس والإيرانيين سيكون ضعيفاً وخاصةً عندما نعلم؛ بأن المرجع الديني الأعلى في العراق السيد “علي السيستاني” غير خاضع للمرجعيات الدينية في قم الإيرانية، بل يريد الخصوصية العربية لشيعة العراق ومعه الزعيم الشيعي الآخر؛ “مقتضى الصدر” والذي هو الآخر كان في زيارة للملكة الأردنية الهاشمية وربما للغرض والغايات والمشاريع نفسها.

ويبقى أخيراً الكرد حيث وبقناعتي فإن الأمريكان وبعد كسر عنادهم في كركوك استطاعوا أن يقنعوهم بالحوار والجلوس مع بغداد وهذا ما صرّحت به أربيل مؤخراً وعلناً، بل والموافقة الضمنية على أن تكون إدارة كركوك مشتركة وبذلك تكون أمريكا أحكمت قبضتها على الجغرافية الحيوية في كل من سوريا والعراق لخدمة مشروعها البتروغازي.

أخيراً يبقى السؤال الذي قد لا نجد له إجابة خلال الفترة القريبة؛ بأن الرياح السيبيرية الروسية هل ستكون قادرة على تجميد مفاصل المشروع الأمريكي وإطفاء الحرائق التي أشعلت الأرض من تحت خطها ومشروعها الاستراتيجي..؟

ربما تكون الإجابات في شرق نهر الفرات بين “قوات سوريا الديمقراطية” و”القوات الموالية للنظام السوري”، بل ربما تكون الإجابات الوافية في تلك الاجتماعات السرية بين الروس والأمريكان وتوافقاتهما على الكعكة البتروغازية وخاصةً عندما نجد بأن الروس ينشطون في حقول كردستان، حيث لولا إندلاع “ثورة البلاشفة”، لربما انتظر العالم عقوداً ولم تكشف عن وثائق “ساسيكس – بيكو”، فهل ستكون هناك ثورات بلشفية أخرى لتكشف معاهدات سرية بين أسياد العالم الجدد والقادمين من وراء المحيطات.

تنويه: للأسف وقعت الملاحظة التالية سهواً من المقالة؛ ألا وهي أن مع سيطرة قوات “قسد” على ما كانت تعرف بعاصمة الخلافة، رأينا الوزير السعودي السبهان مع مبعوث الرئيس الأمريكي “ماكغورك” في الرقة وهي الأخرى كانت جزء من المشروع والخطة الأمريكية، وفي الجانب الكردي الآخر أي بإقليم كردستان فقد أفهمهم الأمريكان بأن أمامهم أحد الخيارين؛ إما القبول بالشراكة مع بغداد على إدارة كركوك أو سيبقون خارج اللعبة، بل ربما الاستعانة بفريق ممن وقعوا مع بغداد وقاسم سليماني.

ـ بير رستم (أحمد مصطفى)

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: