Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

تعرّي الرجل الوقور ـ قصّة قصيرة لـ محمد بنميلود

ذات يوم ودون مقدمات، خرج با عبد السميع إلى الشارع الترابي عاريا كما ولدته أمه. لقد كان رجلا عاقلا كما عرفه أهل الحي بشهادة الجماعة نفسها. رجلا حكيما، تجاوز عمره السبعين، لم يؤذ أحدا قط، ولم يُسمع لسره وسر أهل بيته جهر أبدا. يصلي الصلاة في وقتها ويفي بنذر الجماعة ويعود المريض ولا يرد السائل ويقرض المحتاج إن كان في جيبه مال، وقد شهد كثيرون بذلك في غيابه حتى. إلا أنه ومن حيث لا أحد يحتسب خرج في الناس ذاك اليوم عاريا عراء كاملا لا تشوبه شائبة الثياب، وقد كان قضيبه صغيرا جدا مقارنة بما قد يتخيله أطفال بالنظر إلى عمر با عبد السميع ووقاره، صغيرا جدا ومتغضنا، بينما خصيتاه على عكس ذلك تتدليان بأريحية مسافة شبر بيد رجل ضخم على الأقل، مرتخيتان وذابلتان كحبتي تين عملاقتين ستصيران بعد أيام قليلة شريحة. بينما مؤخرته ضامرة وصغيرة جدا ومسودّة كرغيف الجنازة.
لم نتخيله أبدا على تلك الحال حين رأيناه قبل ذلك سنوات كل يوم بالجلابة وبالفوقية رجلا رزينا وقد اتخذ غصن شجرة جبوج عكازا فزاده ذلك وقارا. بل بدا لنا وهو عار يطوف الحي بلحية قديمة مبيضة وبضع شيبات صهباء بالعرق على صدره المعظم، وركبتيه الضخمتين كركبتي جمل مقارنة بنحافة فخذيه وساقيه، والأهم من كل ذلك نظرته التي ظلت وقورة كما لو أنها مفصولة عن جسده هذا، وقد ركزنا النظر أكثر بين فخذيه وخلفهما لندرة تكرر مشهد كهذا أو ربما لاستحالة تكرره، متابعين تقلقل خصيتيه بل حتى أن بعضنا رأى بوضوح شامة صغيرة جدا أسفل مؤخرته ووصفها بعد ذلك ورسمها على التراب لأننا لم نرها جميعا، بدا لنا كل ذلك كسرّ عظيم ومهيب ينكشف بغتة أمام أعيننا الصغيرة البراقة الشبيهة بأعين عصافير.
والغريب هو أننا لم نضحك، ولم نقذفه بالحجارة، ولم نصح خلفه مستهزئين متقافزين كما كان يجب أن يحدث بديهيا، بل ظللنا صامتين نرقب المشهد إلى أن تقدم بعض الرجال نحوه في وقار وفي يد أحدهم إزار أبيض ناصع في الشمس لفه حوله حتى بدا كميت حي في كفن يقف ويمشي على قدمين. وأدخلوه كوخ أحدهم كما لو كان ناجيا من زلزال حتى ألبسوه ثيابا وأعطوه أكلا وشايا ساخنا وقد هرعت إليه أيضا ابنته يزّة المتزوجة وبعض أصهاره مرتعبين. وقد عاد إليه رشده أخيرا فتعقل وترزن.
وفي الغد أيضا وفي سائر الأيام الآتية ظل عاقلا رزينا كما كان قبل أن يتعرى، بل بدا تعقله كما لو أن مشهد عريه ذاك واقتحامه للشارع على تلك الحال كان محض تخيلات وتهيؤات. إلا أني سمعت أبي يشرح لأمي ذات مساء أن با عبد السميع فعل ذلك لأن الكيل قد طفح به. ولم أفهم ماذا قصد أبي بـ: لأن الكيل قد طفح به، بل واصل عشاءه في صمت معتبرا أن تلك العبارة التي تحتاج شرحا، هي الشرح نفسه.
وظل أمر تعري با عبد السميع سرا مكينا بين الكبار لم يفصحوا عنه أبدا للصغار، وظللنا ننتظر أن يكررها با عبد السميع أو أن يكررها أحد وجهاء الجماعة على الأقل، إلا أن ذلك لم يحصل أبدا، إلى أن نسينا الأمر، فأكملنا لعبنا كأن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.

ـ محمد بنميلود / المغرب

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: