Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

من يومها حلّ بردٌ أبدي..!

#الوقت / سامي حسن

الساعة الحادية عشرة من يوم الاثنين 15/12/2018 أنهى ولدي عامه الرابع في الأسر لدى تنظيم “داعش”.
كنتُ أتساءل: هل له اسم هناك، أم أنهم يصرخون به ليعرّف نفسه للسجان كل صباح: أنا السجين رقم “…..”؟!

تصف السيدة إلهام “والدة فرهاد” معاناتها بعد سلب ولدها منها ليتحول إلى سجين ملتحٍ قسراً.!!
“لمْ يكن لوقع خطوات ولدي أي مسمع وكأنه كان يدوس على الهواء لا الأرض.
لقد تغيّر الكثير منذ أسره، لم يعد لي اسم!! كيف للناس أن ينادوني بأم فرهاد وهو غائب عني؟!!، مع من سأحتسي القهوة، أظل أبحث عنه كل صباح في المنزل لعل معجزة تحدث. وماذا سأقول عن أبيه الذي سأل كل من كان أولا يزال على علاقة بفرهاد، طرق كل الأبواب حتى كلَّ متنه، لمْ يبقى لنا سوى الجمادات لنسألها لعلنا نلقاه!!
لابد لفرهاد أن يعود، سأظل أصلي وأدعو من الله له بالعودة ولوالده بالعافية، والده الذي لم يتوقف لحظة إلى الآن عن البحث والسؤال.
لا يزال فرهاد حاضراً بصوته المتفرّد ينادي علي كل صباح طالباً قهوته، وأجهش في البكاء حتى يستسقظ بقية إخوته في المنزل”. هكذا أنهت والدة فرهاد حديثها.

“بأسره تحوَّل شبحه إلى صورة رمزية، على الرغم من كل الهواجس الثقيلة التي تساورنا.
لأن فرهاد لم يكن مجرد رجل صغير تعرّض للأسر، بل كان يعمل أيضاً مراسلاً لشبكة أخبارية كردية ويؤدي عمله بحب شديد يتخطى الحماسة العادية.”

هذا ما قاله السيد حميد حمو بلحيته البيضاء ووجه الأسمر، والد الأسير فرهاد، الوالد الذي اعتقل مرتين من قبل تنظيم “داعش” أثناء بحثه عن ابنه الأسير لديهم، مرة في مدينة الرقة وأخرى في مدينة الشدادي الواقعة جنوب محافظة الحسكة.

يكمل والد فرهاد: “كل هذا لم يثني من عزيمتي، فحين إطلاق سراحي من سجن التنظيم بعد ساعات من اعتقالي قالوا لي: بأن فرهاد وصديقه مسعود هم من ضمن لائحة الذين سيطلق سراحهم في عملية لتبادل الأسرى بعد التأكد من أنهما تابعان للقوات الكردية المرتدة، بحسب زعمهم.

وبعد أشهر تم إطلاق سراح مسعود في عملية التبادل، وبقي ولدي أسيراً لديهم.!! وحين سألت عن الأمر، قالوا لي “بأن ولدي لم يكن ضمن قائمة التنظيم أثناء عملية التبادل”. وانتهى كل شيء هنا.

وهذا ما حدا بالسيد حميد الاتصال بالسماسرة ولحاقهم، ويبرر ذلك بقوله: “بعد كل ما جرى، وبعد عدم وجود اسم ابني في لوائح عملية التبادل، لم يكن لدي حل سوى اللحاق بالسماسرة، وفيهم رأيت الخلاص ـ أو هكذا حسبت ـ ذلك الخلاص الذي لا يمكننا بلوغه مهما اقتربت أوهامُنا المتناسخة من تصوّر الوصول إليه، أو تراكمات الظنون المتعاقبة بأننا على وشك العثورعلى إشارات لوجوده.
بقي وصولي إليه خيالا حينا، وإصراراً متصلاً أحيانا أخرى، وبأشكال لا متناهية على محاولة التحرر من الحقيقة التي نحاول البلوغ إليها، ذلك الطغيان الذي امتلك الحياة والموت منذ الأزل، سيواصل أبديته من دون اعتبار لأي وهم امتلكناه.

“يبدو أن الزيتون مرتبط بكل لحظات آلامنا..!! يحضر المشهد أمام عيني على كل وجبة صباح ومساء، حين كنت أرمي حبات لبّ الزيتون في كوب شايه الذي يتبّقع بالزيت، فنطلق العنان لضحكاتنا في أرجاء الغرفة حين غضبه”. هذا ما قالته سوسن حمو، شقيقة فرهاد دامعة العينين، بعد أن توقف والدها عن الحديث.

وأكملت سوسن: “يبدو أن الجميع ألفو غيابه، كان حدث أسره كرمي حجر في الماء، فتتناثر حلقات الماء حوله لتعود هادئة مرة أخرى بعد توسعها. لقد تعامل الجميع معه كخبر منسي، كهذا الشتاء الذي تأخر أو الصيف الذي أحرقنا، لقد نسوه وألفوا غيابه”.

فرهاد الذي تزوج قبل أسره ببضعة أشهر، والداه كانا ينتظران حفيداً ليحمل اسم العائلة، ذلك الإرث الثقيل، أما زوجته فقد رحلت إلى أوربا حيث أهلها وهي تبكي على إطلال وذكريات زوجها.

تحت عنوان “مِن ضحية لـ”داعش” إلى صائد للإرهابيين
كتبت القناة الألمانية DW”” عن مسعود عقيل زميل فرهاد حمو في العمل والأسر، والذي أطلق سراحه في عملية لتبادل الأسرى: “تعتمد المخابرات الألمانية في محاربتها للإرهاب على معلومات من اللاجئين أيضاً. السوري مسعود عقيل سلّم الشرطة الألمانية قائمة بأسماء أعضاء ينتمون لـ”داعش”، (لكن البعض يشكك في هذه المعلومات)”.

مسعود يعمل الآن مع المخابرات الألمانية على البحث وتجميع معلومات عن تنظيم “داعش” لتقديمها للسلطات الألمانية.

وأنهت القناة الألمانية تقريرها بـ : أما اللاجئ الكردي – السوري مسعود عقيل، فقد بقي متمسكا بقناعاته بسبب ما عاناه في سجون داعش، وسيتابع مهمته إلى النهاية. ويقول في هذا السياق: “إن محاربة داعش هي بالنسبة لي واجب ولا مفرّ منه”.

“لم يكن أخا فقط، كنا أصدقاء اكثر من أخوة أغلب الأحيان، كنت معهما في العمل، نذهب لتغطية الأحداث سوياً، ونتناوب أنا وأخي آراس على مساعدته في العمل. لا تسعفني الكلمات للتعبير عن ألمي على غيابه. ما زلت أتذكر جيدا الحديث الذي حفظته في المرحلة الابتدائية: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى”.
هذا حال عائلتي الصغيرة في غيابه، هكذا أنهى ريناس شقيق فرهاد حديثه.

“لا أدري لِمَ أطال الله في عمري لأرى هذا اليوم، لم يمضِ الكثير على عرسك المهيب يا ولدي، وفرحتنا بعرسك لم تسكت إلا بغيابك. هل ترى الحزن الساكن في صحو أعيننا يا ولدي؟ من منا سيرثي الآخر.؟!! بملح الدمع والحنين، والدتك تنتظرك لتغسل قدميك، لقد أتعبتِ الريح العاتية أجسادنا التي جفّت في بعادك، ليس لنا سوا العبث بالذكرى التي ستظل تجمعنا.
أنا والدك، سأظل رافعا رأسي الى السماء بالدعاء، وأقرع أبواب الصحارى والقفار باحثاً عنك. أعلم أنني لست الوحيد من فقد ابنه، أعلم تماما أن هذه الحرب الرعناء، أنزفت الكثير من الوجوه التي أقلقها الغياب”.
“للبيت ربّ وللطفل أبْ”
هذا هو حال عائلة فرهاد، الوجع يتناثر في كل أرجاء البيت، وتراكمت كغبار فوق إطار صورته التي تتوسّط جدار الغرفة الشمالي. بقيت ساكنا، آثرت الصمت، أرنو إلى وجوههم بوجَل، وفي قرارة نفسي قلت: أيعي الغاشم ما الذي فعله بهذه العائلة، الذي أورثهم كل هذا الحزن؟
ويتنهي كل شيء بالتساؤل المرّ “من المسؤول عن محنتهم التي لم تمر بعد”؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: