Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

الغربة القسرية تقتل روح الشاعر أم تفتح أمامه آفاقا جديدة للإبداع؟ ـ ملف الشّعر 2

  • ملف الشعر 2 / صحيفة الوقت الورقية ـ القامشلي

الشاعر الحق ـ بفطرته ـ حساسيته مفرطة، تلك الحساسية هي القادرة على التقاءه واتحاده الشديد والكامل بالحزن من حوله، فهو الشخص الذي يحاور مكانه وزمانه وكل أشياءه المحيطة به، يتآلف معها ويؤلف معاني تتلقاها ذائقته برهافة متقنة ومحددة لكمّ الحزن المكنون فيه.
في هذه الحرب التي قتلت واقعاً بشكل ما، الشاعر كغيره من الناس كان واقعه أليماً متوغلا وناتجاً فيه أثر جروح وكدمات لا ينزاح مع الوقت. فبعد أن ندرك أنّ الشاعر يتشبث مضاعفاً بمكانه وما حوله نستنتج أنه يزيد تأثره بنتائج ابتعاده عن الذي حدد أمامه غبشاً أبعده عن كل الحياة لحياة تزحف نحوه ومعه دون جدوى.
في هذا المكان ويتحمل هذا الثقل من حنينه وحزنه في وجدانه وظهره على طول دربه نحو الغد، وبذلك يزيد من مفردات الوجع والحنين الى الماضي النهم لذكريات راحلة وتفاصيل لا تُستذكر بالعادة في أجنداته.
المحظوظون من الشعراء ـ المغتربين ـ هم من يبدؤون مرة أخرى في مكانهم الجديد برؤى جديدة وتقلبات حياة الجديدة وتطلعات الجديدة. أما البائسين منهم فقد أسقطوا صفة اليوم والغد، وتوقف الزمن في روحه وحياته كلها في الأمس المتعَب والمتعِب حين نجد أن الثقافة التي تراهن الحرب وتحاورها ليست كالتي دونها، وليست ثوابتها ابداً كالثوابت التي عايشها الشاعر من قبل، هنا نجده يجر وراءه ذيول الصدمة، يتخبّط في الحالة الثقافية والاجتماعية التي جرّته إليها الحروب وتغيّرها نتيجة تغيّر المكان والزمان والصعوبات والثقافات المحيطة وأولويات الحياة المطلوبة والمتطلبة منه.
لا يسعنا إلا أن نقول إن الحرب غيّرت دولا ومجتمعات كثيرة، وأوهنت صدور الشعراء بشكل مضاعف وجعلتهم يقودون أرواحهم نحو هاوية غير معلومة النهاية. فإما أن ترتد بهم هذه الهاوية وتصعد بهم مرة واحدة نحو قمم الجبل أو تبقيهم في قاعها وتدمر فوقهم آفاتها الكثيرة.
رودي التي في غربتها تسمع أخبار ومشاهد مدينتها عفرين وهي تتداعى تحت سنابك خيول القتل والعدوان، تستدعي بألم ذكرياتها التي التهمتها الحرب هناك، فتقول:

لا تحزن29345209_1705021906247681_1057679860_n
فالحذاء أضيق من حزنك
لا يتسع لهذا الهول.

لا تحزن
الحرف الفاصل بين مصطبة البيت والبئر
تهدّم!!
كنت خبأتُ فيه ست وريقات خضراء فئة  الخمس ليرات
لشراء حبات دوار الشمس المملحة
نتسلى و نلتهي عن حربنا.

لا تحزن
حاكورة الخس والنعنع
داسها الغزاة بتكبير الله
وسحقوا الديدان الطغاة فيها.

لا تحزن
دالية العنب بكت نبيذاً
عناقيدها تتدلى كأثداء هرمة
تقطر الحامض من جذعها دمعاً

لا تحزن
غرفة المؤنة العاتمة
أناروها لأبي اليوم
وعاثوا بعتمتها قنبلة حارقة.

لا تحزن
في البيدر فراشة في حداد
فالربيع احمرّ في طريقه إلينا.

لا تحزن
بادلنا تجارة الزيت بالوجع
ساحة البازار بعنا فيها دماً
واشترينا هتافاً ليشاركنا طاغية أخرى.

لا تحزن
إنْ كُسرت قدم الحرب سهواً
فأقامت عندنا أكثر
إننا نطعمها وندلّك اقدامها
لتأكل أبناءنا قرباناً.

لا تحزن
العندليب الأخير في جادة القرية
علّق صوته بسلك الكهرباء
أعدم اللحن
وجلس شاهداً صامتاً لعهرنا.

لا تحزن
حلة الحنطة مازالت باسوداد وجهنا
تسلق القهر بنيران لاهثة
تحسر على قمحٍ قاسٍ
ويد عجوز تحركه بشوكة الحصادين.

لا تحزن،
عفرين
فتات خبزها لا يتعفّن
ها هناك صرخة صادقته
وزوايا حاراتنا آنستها فتات  اشلاءنا
لتصافح الأيادي المبتورة من الإنسانية.

لا تحزن
الحزن حاسة أخرى
نسي الله اصطفافها
وهو يدبُّ الروح بنطاف آباءنا
ليكتب على جبيننا كل هذا الشريط
ولعنة تلتهمنا اسمها  سوريا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رودي سليمان ـ شاعرة من عفرين / سوريا ـ مقيمة في ألمانيا

 

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: