أن تكون منعزلًا وراضيًا / وفاء خيري

كما تقول كل كتب علم الاجتماع وكما اتفق الجميع أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ولا يمكنه أن يعيش إلا في ظل الجماعة، وفي الغالب هذا ما نتفق عليه جميعنا؛ ولكن لكل قاعدة استثناء. فبالرغم من حاجتنا الجادة لبعضنا البعض كبشر إلا أن هناك من يفضلوا أن يكونوا مستوحدين وبعيدين وأنا واحدة منهم.

في التجمعات العائلية وأماكن العمل والدراسة غالبًا ما نجد شخصية منعزلة لا تحب الظهور وتفضل البقاء صامتة طوال الوقت وتبتعد عن الحفلات والمناسبات الاجتماعية، وإن كانت هناك مناقشة تدور حول أحد الموضوعات فيمكنك أن تجد هذا الشخص منزوي يستمع أكثر مما يتحدث. الأغلبية يُشلكون فكرة سلبية عن هذا النوع من الأشخاص رغم أنه وبكل بساطة يمكن أن يكون أفضل كثيرًا من الآخرين ولكنه لا يرى أن هناك ضرورة من الحديث معك أو مع غيرك. هناك من يرى أن هناك ما هو أهم من الحديث في التفاهات أو أن الحديث مع الآخرين ربما يقلل من مهابة الآخرين له، وغيرها من الأمور التي قد نجهلها ويدركها هو، وليس بالضرورة أن يكون هذا الشخص خاو وأحمق وجبان ولا يمتلك شيئًا ليقوله، بل قد يكون كثرة ما لديه يربكه عن الحديث ويجعله يمضي بعيدًا.

لماذا ينعزل البشر؟

 إذا قسمنا البشر لنوعين رئيسيين يمكننا بشكل أقل تفصيلًا أن نقسمهم إلى بشر اجتماعيين وآخرين منعزلين. ونظرتنا الدائمة إلى الشخص المنعزل إما أنه خجول وغير اجتماعي أو يهاب لقاء الآخرين، وهذا صحيح ولكن هذا ليس دائمًا. فهناك من تعني لهم الوحدة الكثيرة ولا يرغبون في شيء سواها، فالمنعزين أنفسهم يختلفون فيما بينهم، فهناك من ينعزل كما نعتقد بسبب الخجل الاجتماعي وعدم الجرأة على الحديث، وهناك آخرين يختلفون تمامًا، وهم من أقصدهم بحديثي هنا، هناك من يختارون الوحدة والصمت والهدوء والانعزال لما بهم من فوائد وبُعد عن الحماقات ومضيعة الوقت، فأن تكون منعزلًا عن الحمقى والتافهين لابد من أنه أمر جيد.

الاشخاص الاجتماعيين الذين تقابلهم في حياتك في الغالب ما تتوقع منهم نمط معين متشابه في كل لقاء، ولكن قد يأتي يوم ما وتجد أن ذلك الشخص يميل إلى الصمت وعدم الحديث أو الانزواء بعيدًا

كما أن تنعزل بصحبة كتاب تقرأه أوتجتمع مع موسيقاك المفضلة أو حتى تتأمل في الحياة من حولك أفضل من الحديث مع أشخاص لن يضروك أو ينفعوك. هنا لا أتحدث عن العامة بنظرة دونية ولكن أذكر أن أغلب العامة من الناس لا يقدرون قيمة الوقت ولا يعرفون كيف يتحدثوا في أمور مثمرة تفيد الآخرين، فأغلب أحاديثنا اليومية كعرب، وللأسف، هي محض هراء وبلا قيمة، فما فائدة تضييع الوقت والسير مع القطيع؟

العزلة المؤقتة حق كل إنسان

الاشخاص الاجتماعيين الذين تقابلهم في حياتك في الغالب ما تتوقع منهم نمط معين متشابه في كل لقاء، ولكن قد يأتي يوم ما وتجد أن ذلك الشخص يميل إلى الصمت وعدم الحديث أو الانزواء بعيدًا كما قد يرغب في البقاء في المنزل في الوقت الذي يخرج فيه أصدقائه. فيحتاج كل شخص إلى أوقات يبتعد فيها عن كل من حوله حتى نفسه. فالعزلة مفيدة لصفاء الذهن وإعادة ترتيب العلاقات والتفكير بتروي في الأمور، أو على الأقل من أجل التغيير. وهي شيء يمكن أن يطرأ على البعض بشكل مفاجيء فقد تجد نفسك راغبًا في أن تكون بمفردك، ترغب في أن تعيش لحظات معينة وحدك، تفكر في قراراتك وتتخذها بروية وهذا بديهي لأي شخص وهو حقك وحق كل إنسان، فلا تستكثر ذلك على أحد.

من الممكن أن نكون منعزلين بإرادتنا

يمكن ألا تكون خجول أو منطوي ويمكنك أن تخلق ألف حديث مع الآخرين ولكنك لا ترغب، لأنك ترى أن وقتك أهم من أن يُهدر في التعارف والسلامات والحديث بلا جدوى، يمكن أن نختار الانزواء لأننا وبكل بساطة نشعر بانه لن يفهمنا أحد أو يتقبل رأينا أو اختلافنا، يمكن أن نرى أن الوحدة ستعصمنا من الذلات وارتكاب الأخطاء في حقوق الآخرين. نعم يمكن أن نكون مطرودين مقصيين من الحديث الجمعي ومُدانيين في نظر الجميع ولكننا سعداء بوحدتنا وأحاديثنا الصامتة الطويلة مع أنفسنا دون أن نمل أو نُصدع أحد بأفكارنا.

لهذا فإن الشخص المنعزل ليس دائمًا مضطرًا أو مجبر على فعل ذلك، يجب أن نعرف أن كل من يختلف عنا ليس بالضرورة أن يكون أقل منا، بل يمكن أن يكون إنسان مميز ولكنه يفضل الأنعزال أكثر من أي شيء آخر.

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: