فبحسب “اتفاقية أضنة” التي وقعها الجانبان عام 1998برعاية مصرية وإيرانية، تلتزم كل من سوريا وتركيا بمنع الجماعات الإرهابية بالدخول إلى أراضي البلدين، فيما يسمح للجيش التركي الدخول حتى عمق 5 كيلومترات لملاحقة الجماعات الإرهابية واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

كما نصت الاتفاقية على إنهاء كافة أشكال الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني، ومنع تسلل مقاتليه إلى تركيا، لكن يلزم من أجل تفعيل الاتفاقية تعاملا مباشرا بين الحكومتين السورية والتركية.

وعاد الرئيس التركي من موسكو بعد لقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن، الأربعاء، بخيبة أمل كبيرة، عندما لم يستطع الحصول على دعم روسي واضح لخطته بفرض منطقة آمنة في الشمال السوري على عمق 30 كيلومترا، كان قد تلقى وعدا بها من واشنطن، لكن لا دلائل على تحرك أميركي أيضا في هذا الاتجاه.

إلا أن أردوغان لم يعد خالي الوفاض تماما، فقد تلقى من الرئيس الروسي مفتاحا لباب الخروج من المأزق السوري والحفاظ على ماء الوجه، بحسب محللين.

فقد قال بوتن، إن اتفاقية عام 1998 بين دمشق وأنقرة حول مكافحة الإرهاب وضمان الحدود الجنوبية لتركيا لا تزال قائمة، مشيرا إلى أنها قد تساعد في ضمان أمن تركيا.

وكرر أردوغان الأمر ذاته، الخميس، قائلا إن اتفاقية أضنة المبرمة مع دمشق، تسمح لتركيا بدخول الأراضي السورية، مشيرا إلى أن بلاده ستتكفل بإقامة المنطقة الآمنة على الحدود.

مخرج من مأزق

وقال عضو مجلس الشعب السوري السابق شريف شحادة لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن أردوغان يريد تفعيل الاتفاقية “رغم أنه أول من خرقها عبر إدخال آلاف الإرهابيين عبر الحدود التركية إلى سوريا”.

ورأى شحادة أن عودة الحديث عن اتفاقية أضنة “ربما تأتي كمخرج من المأزق الذي وجد أردوغان نفسه فيه بعدما ورط بلاده في سوريا، ووسط عدم وجود دعم لمشروعه العسكري على الأرض السورية”.

و”إذا طلب الرئيس التركي رسميا من دمشق تفعيل اتفاقية أضنة، فسوف سيتعين عليه إغلاق الحدود أمام المجموعات المسلحة التي تتدفق من تركيا إلى الأراضي السورية”، حسب البرلماني السابق.

ورأى شحادة أن ذلك “أحد أهم الشروط لدى الحكومة السورية من أجل الموافقة على تفعيل الاتفاقية، التي سبق وأن خرقها الأتراك بأنفسهم”.

ليست كما يريدها أردوغان

ومن جهة أخرى، اعتبر المحلل السياسي السوري غسان يوسف أن الروس طرحوا اتفاقية أضنة للتفعيل لتحقيق عدد من الأهداف، أهمها أنها ستكون مدخلا مهما لحل المشكلات العالقة بين دمشق وأنقرة.

ويتعين من أجل تفعيل الاتفاقية أن تتعامل الحكومة التركية مع نظيرتها السورية مباشرة بهدف الوصول إلى تفاهم مكتوب، وهو ما يعني اعترافا تركيا بالدولة السورية بعد أعوام من العمل مع المجموعات المناوئة لها، بحسب يوسف.

لكن على ماذا سيحصل الأتراك من التخلي عن منطقة الـ30 كيلومترا والاكتفاء بمنطقة عمليات لا تزيد عن 5 كيلومترات؟

بحسب يوسف، فإن الأتراك لن يحصلوا على المنطقة الآمنة كما يريدون بالضبط في كل الأحوال، في ظل رفض روسي وسوري وتلكؤ أميركي.

لذا ستحقق روسيا بعض الأهداف التركية عندما تضغط على الأكراد، فيما سيكون للجيش السوري دور في تأمين المنطقة وفق الاتفاق، وهو ما يجعل وجود الأتراك غير ضروري.

وفي مقابل هذه التسوية التي ستعيد العلاقات السورية التركية الرسمية، ستترك أنقرة المجموعات الموالية للقاعدة مثل جبهة النصرة التي تسيطر على إدلب في مهب الريح الروسية.

وقال يوسف: “أردوغان وافق على استهداف روسيا لجبهة النصرة، في مقابل أن تغض روسيا الطرف عن أي عمل عسكري تركي ضد الأكراد في حال الضرورة ووفق حدود معينة”.

ولفت المحلل السوري إلى أن الأتراك موجودون فعلا على عمق يصل إلى 45 كيلومترا في أعزاز وجرابلس والباب وعفرين، عبر مجموعات موالية لهم، وهو ما سيستدعي تنسيقا في المستقبل مع الحكومة السورية بشأن هذه المناطق.

وبعد نحو 8 سنوات من الصراع الدامي في سوريا، أدى قرار الانسحاب الأميركي إلى تعزيز حملة الجيش السوري المدعوم من روسيا لإعادة فرض السيطرة على البلاد.

وطلبت القوات الكردية التي باغتها إعلان ترامب سحب الجنود الأميركيين، المساعدة من النظام السوري لمواجهة التهديد المتمثل بهجوم تركي، فيما أشاد الكرملين بدخول القوات السورية إلى مدينة منبج الرئيسية في الشمال للمرة الأولى منذ 6 سنوات.

استهلاك محلي

وفيما يواصل الرئيس التركي الحديث عن المنطقة الآمنة، يعتبر المحللون أن تصريحاته تأتي في سياق الاستهلاك المحلي بعدما واجهت خطته رفضا دوليا وإقليميا.

واعتبر مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن الولايات المتحدة لا يمكنها الموافقة على أي عمل أحادي من تركيا لفرض المنطقة الآمنة، قائلا إن “الأكراد سينظرون إلى عمل كهذا على أنه خيانة من الأميركيين”، ورأى تصريحات أردوغان المتعلقة بعمل أحادي، بأنها نوع من الضغط فقط.

وأوضح يوسف:” أردوغان ليس لديه شيء. هو فقط يوجه التصريحات النارية للداخل. عليه أن يقبل بالخمسة كيلومترات لأنه لا سبيل للحصول على 30 كيلومترا”.