Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

فنزويلا بين رئيسين.. فأين المفر؟

منذ وفاة الزعيم الفنزويلي هوغو شافيز وتسلم خلفه نيكولاس مادورو حكم البلد الاشتراكي الغني بالنفط عام 2013، وفنزويلا تعيش أزمات سياسية واقتصادية وأمنية توصف بأنها الأصعب في تاريخها، بلغت ذروتها يوم 23 يناير/كانون الثاني الجاري بعد إعلان رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) خوان غوايدو نفسه رئيساً انتقالياً للبلاد، وسط حشد جماهيري ضخم لمعارضي نظام مادورو في العاصمة كاراكاس.

وكان المشهد مشابها لما قام به بيدرو كارمونا في أبريل/نيسان 2002 حينما أعلن نفسه رئيساً للبلاد بعد انقلاب قصير على الرئيس شافيز، كانت نهايته إعادة الجيش شافيز للحكم ونفي كارمونا إلى كولومبيا.

لاقت خطوة غوايدو (35 عاماً) تأييدا فوريا من الولايات المتحدة وكندا وعدد كبير من دول أميركا اللاتينية تمثلت في بلدان “مجموعة ليما”، وأبرزها البرازيل والأرجنتين وكولومبيا والبيرو وتشيلي، بينما طالب الاتحاد الأوروبي بإجراء انتخابات حرة لإنقاذ البلاد من الأزمة.

في المقابل، رفضت الصين وروسيا وتركيا وإيران الاعتراف بغوايدو رئيسا انتقاليا، وطالبت بإيجاد حلٍ سلمي عبر حوارٍ داخلي، وهو العرض الذي قدمه مادورو في خطابه الأول أمام مناصريه حيث دعا إلى حوارٍ مع المعارضة برعاية أممية.
خطوة رمزية
في هذه الأثناء، صرح غوايدو في أول إطلالة إعلامية له بعد أدائه القسم أمام حشد من أنصاره، خلال بث مباشر عبر إنستغرام، أنه قد يتعرض للاعتقال في أي لحظة، لكنه “مستمر في كفاحه من أجل فنزويلا”.ويرى ريكاردو إسماعيل أستاذ العلوم السياسية بجامعة “بوك” في ريو دي جانيرو البرازيلية، أن “إعلان الرئاسة ذاتيا خطوة رمزية لأن غوايدو رئيس بدون سلطة، لكنها قد تكون خطوة أولى لكي يصبح رئيسا بالفعل إذا تم إجراء انتخابات رئاسية جديدة كحل نهائي للأزمة”.

وأضاف إسماعيل أن “المشهد شديد التعقيد والتدخلات الخارجية تزيده تعقيدا، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة”.

الأزمة الحالية تأتي بعد أزمات سابقة اندلعت بين فنزويلا وجيرانها اللاتينيين، مثل كولومبيا عقب اتهام مادورو لبوغوتا بتدبير محاولة اغتيال بطائرة مسيرة نجى منها في أغسطس/آب الماضي خلال أحد العروض العسكرية.

وسبقتها أزمة أخرى مع البرازيل على خلفية موجة نزوح كبيرة للفنزويليين الذين فروا من الأوضاع الصعبة في بلادهم، أفضت إلى إغلاق الحدود بين البلدين وتشديد الحراسة عليها من قبل برازيليا، خاصة بعد فوز الرئيس اليميني جايير بولسونارو برئاسة البرازيل. يضاف إلى هذا أزمات أخرى مع الباراغواي وغيرها من الدول اللاتينية.

وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو أعلن أنه لن يعترف برئيس البرلمان المعارض غوايدو رئيساً للبلاد، مؤكداً أن “جنود الوطن لا يقبلون برئيس تم فرضه في ظل مصالح غامضة، وأعلن نفسه بطريقة غير شرعية”.

يأتي ذلك عقب دعوة غوايدو الجيش -في خطاب إعلانه رئيسا انتقاليا- “للوقوف إلى جانب الشعب”، حيث شدد على أنه “لا نريد للجيش أن ينقسم أو يواجهنا.. نريد له أن يكون متحدا إلى جانب الشعب والدستور ضد استغلال السلطة”.

مخطط انقلابي
هذه التصريحات جاءت بعد يومٍ فقط من إعلان الرئيس الفنزويلي إحباط “مخطط انقلابي” من قبل عدد من الضباط والقياديين في الجيش وإلقاء القبض عليهم، ونشرت الصحافة الفنزويلية اعترافاتٍ لهم بأنهم وُعدوا بتلقي أموال طائلة في حال نجاحهم في الانقلاب على سلطة مادورو.

هذه الأحداث فتحت باب التساؤلات حول كيفية تعامل الجيش مع الأحداث المتسارعة في ظل استمرار موجات الاحتجاجات والمواجهات بين المتظاهرين المعارضين والشرطة، أو مع اتساع رقعة الاحتجاجات في ظل تخوفات تحدثت عنها صحف أميركا اللاتينية من “انقسام الجيش” في حال اتخاذ قرار مواجهة المتظاهرين بالقوة المسلحة.

ويرى ريكاردو إسماعيل أن إعلان الجيش عدم اعترافه برئاسة غوايدو لا يعني رضاه عن الواقع الحالي أو وقوفه التام إلى جانب السلطة، بل قد يكون منح الرئيس مادورو فرصةً لإيجاد مخرج للأزمة في مسعى لكسب الوقت.

وشدد على أنه لا يتوقع أن يقبل الجيش بتدهور الأوضاع في البلاد باتجاه حرب أهلية داخلية أو مواجهة مسلحة، وسيسعى للحفاظ على وحدته والدفع باتجاه إيجاد حلٍ سريع.

وأضاف أن الضغوط الخارجية الكبيرة وغياب الحل قد تؤدي بالجيش إلى اتخاذ موقف ما للمساهمة في حل الأزمة، متوقعاً أن يكون الحل النهائي للأزمة عبر إجراء انتخابات جديدة بمراقبة دولية وحمايةٍ من الجيش تكون أكثر نزاهة يحدد فيها الشعب خياره.

يشار إلى أن الأزمة الحالية تأتي في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات الشعبية يوميا في المدن الفنزويلية لاسيما العاصمة كراكاس، والمواجهات مع الشرطة احتجاجا على الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد.

سياسات اقتصادية
ومرد هذه الأزمة إلى انتهاج الحكومة سياسات اقتصادية اشتراكية عبر الاعتماد على عائدات النفط بنسبة 95%، والعقوبات الأميركية المشددة على الحكومة.

كما بلغت نسبة التضخم بفنزويلا أعلى معدل في العالم بأكثر من مليون في المئة العام الماضي وفق صندوق النقد الدولي، وواصلت أرقام الهجرة الفنزويلية ارتفاعها إلى أعلى مستوياتها في تاريخ القارة اللاتينية بواقع ثلاثة ملايين فنزويلي تركوا البلاد منذ عام 2015، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات الجريمة، وتقارير دولية عن نقص في الغذاء والدواء بعدد من المدن الفنزويلية.

وتعزو صحيفة “إل ناسيونال” أسباب الأزمة الحالية إلى الاتهامات بتزوير الانتخابات الرئاسية التي أعيد خلالها انتخاب مادورو رئيسا للبلاد لست سنوات إضافية في مايو/أيار الماضي، وهو ما أثار موجة غضب شعبية في ظل اتهامات بفساد النظام ومسؤوليته عن الوضع الحالي.

وتتفق معظم الصحف المحلية والإقليمية كصحيفة “إلباييس” و”جورنال ناسيونال” على أن سيناريوهات المرحلة القادمة تعتمد على رد الأمم المتحدة على طلب مادورو رعاية حوار فنزويلي داخلي، وعلى نتائج اجتماع “مجموعة ليما” في كندا الشهر المقبل، إضافة إلى موقف الجيش ومسار الحراك الشعبي في الشارع الفنزويلي.

المصدر : الجزيرة

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: