Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

خطوط طيران الماضي / نصّ لـ زكية طه الذّيب .

أتوجهُ كل ليلة مسرعةً بلملمة أفكاري من الشتات، أُوضبها داخل حقيبةٍ صغيرة وأتوجهُ إلى حافلةٍ تقلّني إلى مطار الماضي.

على متن طائرة الماضي، أحجزُ مقعداً منفرداً لي محشوراً في زاويةٍ تائهةٍ عن الأعين، ومن جديد وببطءٍ متواطئ مع نفسي وبكسلِ امرأةٍ تقومُ باحتساء قهوتها، أطالعُ صحيفة أيامي الخالية وعمري الفائت، فتـشدُّ انتباهي خطوط حمراء مبعثرة بين الصفحات لمواقف لا تُمحى من ذاكرتي ما حييت.

استرقُ النظر لعناوين دُونت بلون أغمق لأماكن خضتُ بها معاركَ شتى ولا حصيلة سوى الألم. تشدّني الصفحة ما قبل الأخيرة للسنة الماضية، تغيّر كل شيء مذُ أصبحتُ أحجز تذكرة طيران للماضي كل ليلة لتقنعني الرحلة أن المبادئ التي راهنتُ عليها بنصف عمري، عرفتُ أنني دفعتُ الكثير من أجلِ أن أقتلعها من نفسي.

هناك، أسفل الصفحة ما قبل الأخيرة زاويةٌ دُّونتُ فيها أسماء وأرقام عديدة لأناس انكشفت نواياهم مع مرور التجارب فكانت الخيبة حصتي منهم.

على الهامش، جداولُ زمنية كنتُ قد نظمتُها للسنة المقبلة (لم يتحقق معظمها).

يُرجعني تجاوز أحد المطبات العاطفية إلى الصفحة الأولى من عمري .. طفلةُ غريبة تائهة بين الدفاتر والأقلام والقصص الخرافية، أبسط أحلامها أن تدون الواجب المدرسي بخطٍ جميل.

ينتفضُ قلبي وجعاً عندما تعلن مضيفة الطيران (ذاكرتي) عن بلوغ مطار الواقع فأطوي الصحيفة على عجل لأتمعن الصفحة الأخيرة.. إنها البارحة بكل ما تحملهُ من مشاعر وتخبطاتٍ عاطفية وعناوين للاعمال المؤجلة وملاحظات متفرقة للغد المجهول الهوية.

يتوقف هدير الطائرة، أنهض، ألملمُ أفكاري وصحيفتي، أتوجه إلى بوابة المطار، ألمح صندوق الأمانات معلقاً على الجدار تعلوه لافتة : (رحلتكُ غداً بنفس التوقيت، اترك ماضيك هنا)

استودعُ الصحيفة هناك وأغادر لأستقل سيارة أجرة توصلني إلى واقعي وتُنسيني الماضي الذي سيقلعُ غداً وكل ليلة.

————————

  • زكية طه الذيب / سوريا ـ القامشلي
الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: