Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

“هدية الرب أم فخ الشيطان؟”.. مصر وتركيا وإسرائيل على صفيح غاز المتوسط

في السادس من فبراير/شباط للعام الماضي 2018، بدا وكأن مياه شرق البحر الأبيض المتوسط الهادئة في طريقها للاشتعال مع إصدار القوات المسلحة التركية مذكرة تعلن فيها أنها ستشغل جميع مساحات البحر جنوب جزيرة قبرص بتدريبات عسكرية ستستمر حتى يوم 22 من الشهر نفسه، وفي أعقاب الإعلان بثلاثة أيام فقط، ازدادت سخونة المياه مع قيام السفن الحربية التركية باعتراض سفينة حفر تابعة لشركة “إيني” الإيطالية كانت متجهة نحو قبرص بغرض استكشاف الغاز الطبيعي.

كانت تلك هي المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تعترض فيها تركيا سفينة أوروبية بشكل نشط، وردا على ذلك قامت إيطاليا على الفور بإرسال إحدى فرقاطاتها إلى المناطق القبرصية، ولكن مع أوامر بتجنب المواجهة المباشرة مع السفن الحربية التركية، إلا أن المواجهة بين تركيا وأوروبا تصاعدت مجددا إثر اشتباك زورق دورية تركي مع سفينة حرس سواحل يونانية رست قبالة جزر كارداك المتنازع عليها بين كل من أثينا وأنقرة، الأمر الذي أدى إلى ظهور ملامح أزمة وشيكة بين تركيا والاتحاد الأوروبي الذي أصدر بيانا يطلب فيه من تركيا الامتناع عن أي أعمال قد تضر بعلاقات حسن الجوار.

بيد أن هذه المناوشات البحرية المحدودة لم تكن سوى آخر فصول حرب باردة طويلة الأمد تم تدشينها قبل عقد من الزمان حول مصادر الطاقة، والغاز الطبيعي تحديدا، في شرق المتوسط ووصلت أصداؤها إلى أوروبا، حيث كانت المناورة التركية على ما يبدو استجابة من أنقرة لإعلان شركة إيني عن نجاحها في اكتشاف تشكيل غازي كبير في مربع رقم 6 القبرصي يحتوي على 200 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يجعله أكبر الآبار المكتشفة في المياه القبرصية، مع آمال كبرى في تكرار النجاح خلال خطط الحفر المقررة في المربع رقم 3 خلال الأشهر المقبلة.

وعلى الرغم من وقوع هذه البحوث والاكتشافات بشكل نظري قبالة الساحل الجنوبي من قبرص اليونانية (جمهورية قبرص المعترف بها دوليا)، فإن الجزء الشمالي من المربع 6 القبرصي يتقاطع مع الجرف القاري البحري الذي تقول تركيا إنه يخصها، في الوقت الي تتمسك به تركيا بأن مربع 3، الذي يقع في جنوب شرق الجزيرة، يجب أن يُدار من قِبل قبرص التركية (الشمالية)، وهي دولة بحكم الواقع لا تحظى باعتراف دولي سوى من تركيا نفسها.

يحمل هذا الخلاف الجيوسياسي بين تركيا وقبرص بين طياته خلافا سياسيا في المقام الأول، فالجمهورية التركية لا تعترف بجزيرة قبرص كدولة مستقلة من الأساس، وهناك 30 ألف جندي تركي مرابطون في الجزء الشمالي من الجزيرة منذ منتصف السبعينيات تحت ستار حماية القبارصة الأتراك، وبالإضافة إلى ذلك فإن تركيا -وهي إحدى الدول غير الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- تتمسك بأن قبرص بوصفها جزيرة لا يحق لها امتلاك جرف قاري بعمق 200 ميل في البحر، ولكن بعمق 14 ميلا فقط، ونتيجة لذلك فإن قبرص، من وجهة نظر تركيا الرسمية، ليس لها الحق في إعلان منطقة اقتصادية خاصة، ولذا فإن المنطقة التي حددتها السلطات القبرصية اليونانية تتقاطع بشكل واضح مع المياه التركية، ما يجعل جميع الاتفاقات التي أبرمتها السلطات القبرصية مع الشركات الدولية للتنقيب عن الغاز باطلة قانونيا.

ولكن الوجود التركي في شرق المتوسط لا يبدو أنه مرتبط بخلاف أنقرة مع قبرص فحسب، فبخلاف مهام تأمين سواحلها الجنوبية والجنوبية الغربية، فإن وجود تركيا القوي في شرق المتوسط يتوافق مع أحلام أنقرة طويلة الأمد لاستخدام موقعها الجغرافي بين شمال أفريقيا وآسيا وأوروبا ليس فقط للتغلب على الفقر الطبيعي في مصادر الطاقة التقليدية التي حرمت منها الدولة التركية، ولكن لتقديم نفسها كلاعب محوري في مجال الطاقة عالميا، وهو ما دفع أنقرة في الماضي على سبيل المثال إلى التعاون مع كردستان العراق لتصدير نفط الإقليم عبرها على الرغم من عداء الكرد التاريخي مع الجماعات التركية، وهو السبب نفسه الذي يدفع تركيا اليوم للانخراط في لعبة الصراع على الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط.

لكن قبرص ليست القوة الوحيدة التي تصطدم بها تركيا في مساعيها لتأمين مصالحها الخاصة في البحر المتوسط، وبخلاف كون الصراع مع قبرص سوف يضع تركيا في مواجهة اليونان، الراعي الأوروبي للجزيرة، فإن سياسة قبرص في فتح أبوابها لدول أوروبا الغربية للاستفادة من مواردها الجديدة ستدفع هذه الدول للمسارعة بدورها لحماية مصالحها في ساحة البحر المتوسط، مضيفة المزيد من الزحام إلى رقعة شطرنج سياسية مزدحمة بالفعل، تتصارع فيها كل من تركيا وقبرص ومصر وإسرائيل ولبنان تحت أنظار القوى الكبرى الطامحة لتأمين مزيد من الحصص من كعكة الطاقة المستقبلية، وفي مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة، وروسيا العائدة بقوة للعبة نفسها فوق المتوسط.

أحلام العثمانيين الجدد

تاريخيا، كانت جزيرة قبرص تابعة إداريا لمدينة البندقية الإيطالية، وهي مركز مالي وتجاري مهم امتلك أحد أقوى الأساطيل البحرية في أوروبا، ومع عدم قدرة البندقية على تهديد الدولة العثمانية من البر، فإنها استخدمت سيطرتها على قبرص وأسطولها البحري القوي في تهديد مصالح الدولة العثمانية في التجارة مع دول شمال أفريقيا عبر البحر، ونتيجة لذلك فإن الجزيرة الصغيرة، التي لا تتجاوز مساحتها اليوم 10 كيلومترات مربعة، مثّلت أهم نقاط ضعف الإمبراطورية في مواجهة الغزاة الخارجيين.

كان التعطيل المتكرر لطرق التجارة والإمداد مع شمال أفريقيا ضعفا إستراتيجيا لا يمكن للعثمانيين تحمله طويلا، ونتيجة لذلك فإنهم أقدموا على غزو الجزيرة في عام 1571 في واحدة من أكبر المواجهات البحرية في التاريخ قبل عصر السفن البخارية، ورغم مرور بضعة قرون على هذا التاريخ، بقيت حقيقة بارزة لم تتغير وهي أن موقع قبرص على بُعد 50 ميلا من السواحل التركية يُشكّل خطرا إستراتيجيا على نفوذ تركيا في شرق المتوسط.

فمن أجل إنشاء مساحة عازلة إلى الغرب من حدودها، تحتاج تركيا إلى السيطرة على شرق المتوسط وهي إستراتيجية تتطلب من أنقرة امتلاك نفوذ قوي في قبرص، ونتيجة لذلك فإن تركيا لم تقف مكتوفة الأيدي أمام الانقلاب العسكري الذي نظّمه القبارصة اليونانيون المتشددون والجنرالات في أثينا عام 1974 بهدف توحيد قبرص مع اليونان، وسارعت للتدخل عسكريا في قبرص بوصفها راعيا للقبارصة الأتراك، حيث نجحت القوات التركية في السيطرة على الجزء الشمالي من الجزيرة الذي تحوّل لاحقا في الثمانينيات إلى “جمهورية قبرص التركية الشمالية”، التي لا تحظى باعتراف دولي إلى اليوم.

وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، تحوّل الصراع القبرصي إلى ألم مزمن ومحتمل في الآن نفسه في رأس أوروبا وتركيا، ولكنه ظل كامنا إلى حد كبير ولم يجذب الكثير من الاهتمام خارج دائرة الجهات الفاعلة الرئيسة في السياسة القبرصية وهي اليونان وتركيا وبريطانيا المحتل السابق للجزيرة، لكن قبرص سرعان ما عادت إلى موقع الصدارة في المناقشات الجيوسياسية المحيطة بشرق المتوسط بسبب حرب الموارد الجديدة في المنطقة، والتي تدور بشكل رئيس حول الغاز الطبيعي.

وقد نجحت الشركات الغربية في تفجير حرب الغاز حول الشواطئ القبرصية في مناسبتين مختلفتين، أولاهما في عام 2011 حين تم اكتشاف حقل “أفروديت” بمخزون احتياطي يبلغ 140 مليار متر مكعب من الغاز، وهو مخزون كاف لسد احتياجات الجزيرة الصغيرة ولكنه ليس كافيا لإثارة لُعاب عمالقة الطاقة العالميين للاستثمار فيه بشكل مستقل، أما المرة الثانية فوقعت في العام الماضي 2018 مع إعلان شركتي إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية عن اكتشافات غازية أكثر جدوى في مجمع “كاليبسو” (مربع رقم 6 القبرصي)، وهو الحادث الذي أثار المزيد من التوترات الجيوسياسية مع إقدام تركيا على اعتراض منصة الحفر الإيطالية.

لم تكتف تركيا بهذه الخطوة وحسب، حيث قامت في شهر مايو/أيار بإطلاق أول سفينة حفر محلية الصنع للتنقيب عن النفط والغاز في المياه العميقة باسم “فاتح”، مع قدرة على الحفر على أعماق تصل إلى 2600 متر، وبخلاف الدلالة الرمزية لاسم السفينة، كانت الخطوة إيذانا واضحا بنيّات تركيا للتحوّل إلى لاعب عالمي في مجال الطاقة، بما يتماشى مع السياسة الوطنية للطاقة والتعدين التي أعلنت عنها أنقرة في أبريل/نيسان 2017، والتي ركّزت على حشد الموارد المحلية وتنويع مصادر الطاقة، حيث يبدو أن اكتشاف الاحتياطات الضخمة في “كاليبسو” أثارت انتباه وطموحات تركيا أكثر بكثير مما فعلته الموارد المتواضعة التي تم اكتشافها في حقل أفروديت عام 2011.

“هدية الرب” للكيان العبري

جاءت التوترات الأخيرة بين قبرص وتركيا ووصول معارك الطاقة إلى شواطئ أوروبا لتثير المزيد من المخاوف حول تفاقم الصراعات في شرق المتوسط، حيث لم تكن قبرص هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي اكتشفت الغاز قبالة شواطئها، ففي الحقيقة، وقبل عام واحد من اكتشاف حقل أفروديت، كانت كشوف الغاز في مياه المتوسط قد بدأت بالفعل محوّلة إسرائيل، إحدى أكثر مساحات العالم انعزالا وفقرا في مصادر الطاقة، إلى لاعب عالمي محتمل في السوق المستقبلي للغاز الطبيعي.

فلطالما كان فقر الطاقة تهديدا أرّق مضاجع صناع القرار في الكيان العبري بعد فشل جميع محاولاتهم للعثور على النفط في الأراضي المحتلة، وبشكل خاص بعد قيام “الثورة الإسلامية” الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه الحليف لتل أبيب، ما جعل الكيان العبري في وضع فريد عالميا بكونه “الدولة” الوحيدة في العالم التي تحصل على معظم احتياجاتها من الطاقة من دول لا تقيم علاقات رسمية معها، ما يعني أن هذه الإمدادات ستكون معرضة للانقطاع مع أي موجة للتوتر السياسي ضد تل أبيب.

بدأت هذه المعادلة في التغير عام 2005 مع بدء إسرائيل استيراد الغاز المصري عبر خط أنابيب العريش عسقلان، غير أن هذا الاعتماد على مصر كان يُمثّل مشكلة لإسرائيل أيضا رغم أن القاهرة تقيم علاقات رسمية مع الكيان العبري منذ نهاية السبعينيات، حيث كانت تل أبيب تنظر لاعتمادها على الطاقة الأجنبية بوصفه التزاما إستراتيجيا يتيح للقوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر، فرصة ممارسة نفوذ متاح وكبير عليها.

على كل حال، بلغ التدفق الغازي من مصر إلى إسرائيل نهايته في عام 2012 بسبب تداعيات الثورة المصرية، ولكن قبل ذلك بوقت قصير، كانت مياه المتوسط تهدي الكيان المحتل ما صار يُوصف في إسرائيل نفسها بـ “هدية القدر”، وكان ذلك حين اكتشف تحالف الطاقة الذي تقوده شركة “نوبل” الأميركية حقل “تمار” عام 2009 مع احتياطات تقديرية تبلغ 282 مليار متر مكعب، لكن الاكتشاف الذي غيّر قواعد اللعبة بشكل حقيقي كان عليه أن ينتظر حتى العام التالي، 2010، حين اكتشف تحالف “نوبل” وشركة “ديليك” الإسرائيلية حقل “ليفياثان” الضخم مع احتياطي يُقدّر بـ620 مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما وضع الكيان العبري على قائمة المصدّرين المحتملين للغاز الطبيعي.

لكن المشكلة الرئيسة لدى تل أبيب تمثّلت دوما في محدودية قدرتها على الاستفادة من الاحتياطيات الضخمة للغاز لأسباب تنظيمية متعددة، أتى على رأسها الخلافات التي سرعان ما دبّت بين الحكومة الإسرائيلية وتحالف “نوبل” للطاقة، ما دفع الحكومة لإصدار قانون في عام 2013 يقضي بتخصيص 60% من احتياطاتها الغازية للاستهلاك المحلي وتصدير نسبة الـ 40% المتبقية فقط، ولكن الخلافات التنظيمية حالت مرة أخرى دون تنفيذ الاتفاق، مما دفع ليفياثان في النهاية إلى 6 أعوام كاملة من التوقف.

كانت المعارضة الرئيسة للصفقة قادمة بشكل رئيس من جهات مكافحة الاحتكار الإسرائيلية التي رأت أن سيطرة اتحاد الشركات على الغاز ستضر بأسواق الطاقة والكهرباء في الكيان العبري، وأنها ستقوّض قدرة الحكومات المتعاقبة على التصرف في الغاز باستقلالية، وكان مصدر الخلاف الرئيسي هو إصرار “نوبل” على وضع بند يقضي بمنع أي حكومة إسرائيلية منتخبة من إجراء أي تعديل على قواعد سوق الغاز الإسرائيلي حتى عام 2030، إضافة إلى خلاف آخر حول سعر وحدة الغاز التي ستشتريها إسرائيل من نوبل، حيث كانت تل أبيب ترغب في تخفيض السعر من 5.4 دولار لـ5.2 دولار للوحدة الواحدة.

كانت هذه الخلافات تعني أن أمام “نتنياهو” واتحاد الشركات معارك طويلة لخوضها مع المؤسسات الإسرائيلية، معارك انتهت بعد أعوام إلى اتفاق ضمني قام التحالف بموجبه ببيع حصته من حقل تمار إلى مستثمرين إسرائيليين، مقابل تمرير اتفاق أوائل عام 2017 تم بموجبه إقرار خطة الغاز الإسرائيلية والسماح أخيرا لاتحاد الشركات ببدأ المرحلة الأولى لتصدير الغاز من حقل ليفياثان.

لكن العقبة التنظيمية لم تكن المشكلة الوحيدة التي أعاقت طريق الغاز الإسرائيلي إلى الأسواق العالمية، مع كون الغاز الطبيعي، وعلى خلاف النفط، يحتاج إلى بنية تحتية معقدة لنقله عبر خطوط الأنابيب إلى الدول المجاورة، أو إلى محطات الإسالة المكلفة التي سعت إليها إسرائيل في البداية عبر اتفاق مع خبراء النفط والغاز الطبيعي في أستراليا “وودسايد بتروليوم”، وهو الاتفاق الذي انهار سريعا بسبب الخلافات حول هيكل الصفقة، ومعه تحطمت آمال إسرائيل في إقامة منشأة مستقلة لتصدير للغاز الطبيعي المسال.

آمال مصر الضائعة

كانت هذه العقبات كفيلة بوصول المسؤولين الإسرائيليين إلى قناعة تأسيسية مفادها أنهم إذا أرادوا تحقيق استفادة قصوى من احتياطاتهم الغازية؛ فإن عليهم التعاون مع مصر مجددا، فمن ناحية فإن هناك خط أنابيب قائما بالفعل بين البلدين، وهو الخط الذي جرى من خلاله تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل طوال العقد الماضي، ومن ناحية أخرى فإن القاهرة هي العاصمة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك البنية التحتية اللازمة لإسالة ونقل الغاز الطبيعي في صورته الجديدة.

لطالما كانت مصر بدورها تطمع في أن تصبح مركزا إقليميا لتنمية الغاز الطبيعي، وفي الحقيقة فإن مصر بدأت في تصدير الغاز الطبيعي منتصف عام 2000، قبل جميع دول المنطقة بعقد كامل، بفضل اكتشاف العديد من الحقول قبالة سواحلها. ومع ذلك، ورغم بلوغ الإنتاج المصري ذروته بواقع 20 مليار متر مكعب في عام 2009، تراجعت صادرات مصر من الغاز الطبيعي بحدة بسبب تراجع أنشطة الاستكشاف والاستثمار وانخفاض إنتاج الحقول القائمة، وأيضا بسبب الشروط القاسية لاتفاق تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، إلى درجة أن القاهرة اضطرت في النهاية إلى غلق محطات الإسالة في عام 2015، لتتحول إلى مستورد صاف للغاز الطبيعي مجددا.

كانت المشكلة الرئيسية التي واجهت قطاع الطاقة في مصر، كما أشار تقرير لمنصة “مدى مصر” ينطلق من حقل “ظهر” المصري، هي ذاتها المشكلة الأكبر التي واجهت الاقتصاد المصري ككل، وهي أن الدولة كانت مطالبة بدعم الطلب المحلي عبر تخفيض الأسعار على المستهلكين، لذلك فإنها حددت سعر الغاز الطبيعي عند 2.65 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو سعر كان مناسبا لدعم موازنة الدولة لكنه لم يكن كافيا لجذب المستثمرين، مما أدى في النهاية إلى توقف أي أنشطة جديدة لاستكشاف الغاز، لكن القاهرة بدأت في تنفيذ إصلاحات للأسعار في عام 2014 وقررت مضاعفة السعر للشركات وصولا إلى 5.8 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما أدى إلى عودة شركات الطاقة من جديد إلى مصر.

آتت الخطة المصرية أُكلها سريعا في عام 2015 مع إطلاق شركة بريتش بتروليم مشروع تطوير دلتا النيل الغربي، قبالة ساحل البحر المتوسط ​​في مصر، مع توقعات باكتشاف حقل قد ينتج في نهاية المطاف ما يصل إلى 15 مليار متر مكعب في العام، أو 30% من الطلب على الغاز الطبيعي في مصر، غير أن الكشف الأكثر استثنائية وقع في وقت متأخر من العام نفسه، عندما أعلنت شركة إيني الإيطالية عن أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​تحت اسم “ظهر”، بمخزون يقدر بـ850 مليار متر مكعب، بما يتجاوز حقل ليفياثان الإسرائيلي، مع توقعات أن ينتج الحقل 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا.

ورغم احتفاء مصر بالاكتشاف الضخم الذي زعمت أنه على وشك إعادتها إلى قائمة مصدري الغاز من جديد، فإن الطموحات المصرية اصطدمت بعنف بصخرة واقع استهلاكها المطّرد، وأن رقم الاستهلاك الحالي لا يعبر بالضرورة عن حجم احتياجاتها الفعلي، خاصة مع اتباع مصر لسياسة مشددة لتخفيض استهلاك الغاز شملت تحويل عدد من محطات الكهرباء للعمل بالمازوت، وهو وقود أرخص ثمنا وأقل جودة وتسبب في تراجع العمر الافتراضي للمحطات، وهو ما يعني أن استهلاك مصر من الغاز سيرتفع عاجلا أم آجلا مع عودة محطات الكهرباء للعمل بالغاز الطبيعي، وإذا أضفنا إلى ذلك معدل الزيادة المعتاد لاستهلاك الغاز، فإن النتيجة أن إنتاج حقل ظهر سوف يكفي بالكاد لردم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في البلاد.

يترك ما سبق مصر مع خيار وحيد تقريبا إذا أرادت أن تتحول إلى مركز إقليمي للغاز؛ ويتمثّل ذلك الخيار في استيراد الغاز من جيرانها واستغلال بنيتها التحتية الجاهزة لإسالة الغاز وتصديره بأسعار أكبر، وهو السبب الذي دفع القاهرة لتوقيع اتفاق مع قبرص عام 2016 يسمح للمنتجين في حقل أفروديت باستغلال بنيتهم التحتية لأجل الصادرات، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لاحق في العام الماضي لإنشاء خط أنابيب بحري بين الدولتين، وفي الوقت نفسه، فإن النظام المصري أعطى الضوء الأخضر لشركة “دولفينوس” القابضة، المملوكة فعليا لجهاز المخابرات العامة المصرية كما كشف عن ذلك تحقيق سابق للصحافي “حسام بهجت”، أعطاها الضوء لبدء استيراد الغاز من حقل ليفياثان الإسرائيلي في صفقة تمتد لعشرة أعوام مع تل أبيب وتُقدّر قيمتها بـ15 مليار دولار.

لعبة المتوسط

مع احتدام الصراع على غاز المتوسط، كانت هناك دولة ساحلية متأخرة في ركوب موجة الحرب الدائرة وهي لبنان، من أعاق نظامها السياسي الطائفي، الذي يتطلب توخي توازن دقيق بين المصالح بين المجموعات الإثنية والطائفية المختلفة، أعاق جميع جهودها لتنمية قطاع الطاقة المحلي، خاصة بين عامي 2014 و2016 حين كان منصب الرئيس شاغرا بسبب الأزمة السياسية المحتدمة في البلاد.

لكن هذا الوضع تغير بوضوح مطلع عام 2017 حين أقر مجلس الوزراء اللبناني مراسيم ضرورية لطرح العطاءات، في حين وافق البرلمان أخيرا على قانون ضرائب النفط والغاز الطبيعي في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وبفضل هذه اللوائح الجديدة، أجرت لبنان أول جولة لمناقصاتها ​​في الربع الأخير من 2017 ومنحت حق الاستكشاف في المربعين 4 و9 إلى اتحاد شركات تقوده مجموعة توتال الفرنسية.

لكن بحلول الوقت الذي تم التوصل فيه إلى اتفاق نهائي حول الاستكشاف في فبراير/شباط للعام الماضي، قامت تل أبيب بإصدار تحذيرات إلى بيروت حول التنقيب في المربع 9، والذي يتضمن جزءا من المياه المتنازع عليها بين لبنان والكيان العبري، وفي المقابل هدد “حزب الله”، أكبر كيان عسكري مستقل في الشرق الأوسط، بمهاجمة البنية التحتية الإسرائيلية للنفط والغاز الطبيعي في حال أقدمت تل أبيب على منع الاستكشاف اللبناني، قبل أن تتدخل “توتال” وتعلن أن الاتحاد يسعى للاستكشاف على بُعد لا يزيد على 25 كيلومترا من الحدود، بعيدا عن المنطقة المتنازع عليها بين البلدين.

كان هذا النزاع اللفظي بين إسرائيل ولبنان آخر جولات ما يمكن أن نطلق عليه معركة المربعات في شرق المتوسط، وهي معركة محتدمة على مناطق التنقيب بين دول البحر الأبيض التي لا تتمتع باتفاقات واضحة لترسيم الحدود بينها، وتدور على وجه التحديد بين إسرائيل ولبنان على المربعات 8 و9 و10 من الترسيم اللبناني من ناحية، ومن ناحية أخرى بين تركيا وقبرص، ومن خلفها اليونان، على مربعات التنقيب القبرصية رقم 1 و4 و6 و7 المتقاطعة مع الجرف القاري التركي، وكذا المربعات 2 و3 و8 و9 و12 و13 والمتقاطعة مع مناطق التنقيب المحددة بواسطة جمهورية شمال قبرص التي تعترف بها تركيا.

ونتيجة لهذه المعارك المحتدمة، فإن الاكتشافات الغازية في شرق المتوسط تحوّلت من فرصة للتعاون المشترك إلى ذريعة للاصطفافات الإقليمية، ومع الخصومات السياسية السابقة بين تركيا وكل من قبرص واليونان ومصر وإسرائيل من ناحية، وبين لبنان وإسرائيل من ناحية أخرى، ومع انشغال سوريا بحربها الأهلية، وتحكّم الكيان العبري بشكل فعلي في حقول الغاز في المناطق الفلسطينية، ومع تطلّع تل أبيب ونيقوسيا للاستفادة من قدرات القاهرة لتصدير ثرواتهم الغازية، كانت جميع الطرق تشير إلى تحالف تشكّل لمصالح الطاقة في شرق المتوسط يضم مصر وإسرائيل وقبرص إضافة إلى اليونان، مع استبعاد تركيا ولبنان بشكل فعلي من خارطة الطاقة الإقليمية.

ظهرت ملامح هذا التحالف عام 2013 مع إقدام مصر وقبرص على ترسيم الحدود البحرية بينهما رغم اعتراض تركيا، قبل أن يتبلور التحالف بشكل أوضح عام 2014 مع عقد القمة المصرية اليونانية القبرصية الأولى في القاهرة، التي طوّرت خلال اجتماعاتها التالية ما يشبه تحالفا أمنيا وطاقويا مستقرا بين الدول الثلاث في حوض شرق المتوسط، في مواجهة تركيا، وإيران ممثلة في حليفها “حزب الله” اللبناني الذي يحظى بموقع مهيمن في عملية صنع القرار هناك.

أخذت الأمور منحى أكثر وضوحا في 14 يناير/كانون الثاني المنصرم، 2019، مع تدشين ما يعرف بمنتدى الشرق الأوسط للغاز في القاهرة والذي ضم، إضافة إلى الدول الثلاث المذكورة، كلًّا من إسرائيل وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، وكانت هذه هي الواقعة الأولى التي تحتضن فيها دولة عربية إسرائيل في تحالف رسمي، تحالف يهدف في المقام الأول إلى الجمع بين مصدري الغاز في شرق المتوسط (قبرص ومصر وإسرائيل)، وبين مستوردي الغاز المحتملين في أوروبا، على أن تعمل كل من اليونان وإيطاليا كقنوات موصلة إلى باقي القارة.

ومع ذلك، فإن هناك العديد من العوامل التي تضع قيودا على فاعلية هذا التحالف، أولها هو محدودية احتياطيات الغاز في شرق المتوسط نسبة إلى احتياطات النفط والغاز المثبتة العالمية، حيث لا تتعدى نسبتها 1% منها وهو ما يجعلها غير قادرة على التنافس بشكل تقليدي مع القوى الكبرى للغاز مثل روسيا أو قطر، وثانيها هو القيود اللوجيستية أمام الطرق الأكثر اقتصادية للتصدير وهي خطوط الأنابيب، خاصة مع وجود مسارين محتملين لمد خط أنابيب من شرق المتوسط نحو أوروبا، أولهما هو خط بطول 2000 كم بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، وهو مشروع من المرجح أن تتجاوز تكلفته 7.5 مليار دولار، ومن غير المرجح أن تقوم أي جهة بتمويله قريبا بسبب تكلفته الضخمة، أما الطريق الآخر الأكثر فاعلية والأقل كلفة يتمثل في مد خط يمر بالمياه القبرصية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وهو المشروع الذي يتطلب تعاون تركيا بداهة، وهو تعاون من غير المحتمل بحال أن يتوفر في ظل عدم رضا أنقرة التام عن خارطة الطاقة الحالية.

ولا ينحصر الأمر في ذلك فحسب، وإنما يأتي مع ذكر أن طريق الغاز المتوسطي لأوروبا ليس خاليا تماما من المزالق السياسية، خاصة مع حرص روسيا  على عدم دخول أي منافسين آخرين للغاز الطبيعي إلى القارة الأوروبية، وإمكانية إقدامها على تقليل سعر الغاز لجعل الاستثمارات في غاز المتوسط غير مجدية، فبينما لا يمكن في الوقت الحالي النظر إلى شرق البحر المتوسط ​​على أنه منافس للغاز الروسي في المطلق، فإنه يبقى مُمثّلا لأحد مصادر الإمداد المحتملة للاتحاد الأوروبي، كما يمكنه في وقت من الأوقات -حال تغير الظروف السياسية- أن يقوم بتوفير الغاز لتركيا، أحد أكبر زبائن الطاقة الروسية.

وأخيرا وليس آخرا، فهناك الخلافات الكامنة بين الدول الأعضاء في منتدى غاز المتوسط، والتي يمكن أن تنفجر إلى السطح في أي لحظة مع تغير الود السياسي الحالي بين مصر وإسرائيل، أو اكتسابه بين قبرص وتركيا، وهو ما يجعل بعض هذه الدول مترددة في الدفع باستثمارات كبرى في تحالف غير مستقر على أفضل الأحوال، ما يعني أن لعبة متاهة القوة بين بلدان المنطقة ستستمر لفترة غير قصيرة، في الوقت الذي ستبقى فيه القيود على جلب غاز المتوسط إلى الأسواق العالمية قائمة، ما لم يظهر إلى الساحة اكتشاف ضخم يغيّر قواعد اللعبة ويوجّه توازنات القوى الحساسة والمتعادلة في المنطقة إلى كفة بعينها بشكل ملحوظ.

  • ميدان / الجزيرة
الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: