Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

كيف كانت النميمة سلاحًا قويًا في اليونان القديمة؟

لا يمكن إنكار الدور المدمر للشائعات أو النميمة في عصرنا الحالي، إلى حد جعل حكومات العديد من الدول تسعى لمواجهتها بقوة، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الواقع، لكن هل كان للشائعات الأثر نفسه في العصور القديمة؟

الإجابة المختصرة هي نعم بالطبع، أما الإجابة المفصلة تأخذنا إليها فيونا مكاردي، أستاذة علم الكلاسيكيات في جامعة روهامبتون بلندن. في مقالها المنشور على موقع «أيون».

تقول فيونا إن أعظم الأعمال الأدبية اليونانية القديمة تتضمن أشكالًا هائلة من الانتقام. يقهر المنتقمون أعدائهم بالقوى الجسدية الفائقة، مثلما حدث حين قتل «آخيل» عدوه «هكتور» بضربة واحدة انتقامًا لموت رفيقه «باتروكلس»، أو بتوظيف الحيلة والخداع كما جرى حين قتلت الساحرة «ميديا» عدوها «كريون» وابنته باستخدام ملابس مسمومة انتقامًا من زوجها الخائن «جاسون».

لكن كيف يثأر شخص لا يملك أي قوة عضلية، أو قدرات سحرية، أو أصدقاء داعمين؟ تشير الكاتبة إلى أن النساء من الطبقة الدنيا كن بلا عائلات قوية، وشكلن جزءً من أضعف الحلقات في المجتمع القديم، لكنهن استخدمن سلاحًا قوية لضمان زوال عدوهن المكروه، ألا وهو النميمة!

ولفتت فيونا في مقالها إلى أن الشعراء القدامى جسدوا النميمة أو الشائعات في أعمالهم. ففي الملحمة الهوميروسية (الإلياذة والأوديسة)، قيل إن الشائعة كانت مرسال «زيوس» المسرع مع الجنود بينما يحتشدون للحرب، واستُحضرت الطريقة التي تتنقل فيها مسرعة بين الناس من فم إلى فم، وانتشارها بين الحشود.

ويصف الشاعر الإغريقي «هسيودوس» أيضًا الشائعة بأنها سماوية، لكنها كذلك شيء يجب أن نخشاه. إذ إنها «مؤذية وخفيفة وتنتشر بسهولة، لكن يصعب الالتفات لها أو التعامل معها»، بحسب المقال، الذي ذكر كيف أن الخطيب الأثيني «إيسخينيس» من القرن الرابع لمَّح أيضًا إلى انتشار الثرثرة حول مسائل خاصة بشكل عفوي داخل المدينة. ويُعتقد أن الشعب اليوناني القديم بكل أطيافه رجالًا، ونساءً، عبيدًا، وأحرارًا، صغارًا، وكبارًا، انخرط في النميمة والقيل والقال، ما ضمن انتشار الشائعات في كل الأرجاء. وفتح ميل قطاع عريض من المجتمع إلى النميمة قنوات للتواصل بين الطبقات الدنيا والعليا، وبين الطبقات الأضعف والأقوى، بحسب المقال.

وبينما يرى أرسطو أن النميمة كانت في كثير من الأحيان طريقة ممتعة لتضييع الوقت، لكنه يوضح أنها ربما تحمل نية ماكرة إن كان من يقولها شخص تعرض للظلم، وفقًا للكاتبة، التي رأت أن اعتبار النميمة سلاحًا في يد المظلوم أمرًا «ذي أهمية»، خاصة عند التفكير في الطريقة التي استخدم بها الأثينيون النميمة في المحاكم داخل أثينا، لأن القضايا اعتمدت بشكل كبير على قيمة الأشخاص المتورطين في القضية بدلًا من الأدلة الدامغة. ومع غياب القضاة المحترفين، سعى المتحدثون إلى تشويه سمعة معارضيهم في عيون هيئة المحلفين، وتقديم أنفسهم باعتبارهم مواطنين شرفاء. وخاف المتقاضون القدماء من قوة النميمة، لذا حرصوا على إظهار كذب القصص السلبية التي نشرها خصومهم الكاذبون عمدًا، وسمعها المحلفون.

وبحسب المقال فالخطباء القدامى يعلموننا أن الأماكن العامة مثل المتاجر والأسواق أماكن مفيدة لنشر الشائعات المزيفة الهادفة إلى تشويه الخصوم، بسبب تجمع الحشود فيها. ففي إحدى الوقائع التي كتبها الخطيب «ديموسثينيس»، زعم «ديودورس» أن أعداءه نشروا عنه معلومات غير حقيقية بإرسال حاملي الشائعات إلى الأسواق، بهدف استمالة الرأي العام ناحيتهم.

و«ديموسثينيس» نفسه اتهم خصمه «ميدياس» بنشر الشائعات الخبيئة عنه. وروي أيضًا أن الشاعر «كاليماخوس» حكي مرارًا للحشود في الأسواق قصة مؤسفة عن تعرضه للمعاملة القاسية على يد خصمه. وتقول الكاتبة: «إن نية النمام في هذه النماذج هي نشر معلومات مزيفة في المدينة لخلق انطباع سيئ عن الأفراد المتورطين معه في مشكلات، ليربح دعواه القضائية ضدهم».

وعلى الرغم من أن المحاكم القانونية في أثينا كانت حكرًا على الرجال، وأن النساء احتاجت بالتالي للاعتماد على أقارب ذكور لتمثيلهم هناك، فقد أشارت المصادر القديمة إلى أن قدرة النساء على النم كانت أداة مفيدة في مهاجمة العدو، وفق الكاتبة، التي ضربت مثالًا على ذلك بما حدث مع «أرستوجياتين»، إذ ورد في خطبة Against Aristogeiton 1 كيف حكى خصمه حادثة تضمنت عنف أرستوجياتين وسلوكه الجاحد تجاه امرأة أجنبية مقيمة تدعى «زوبيا»، ساعدته حين كان في مأزق، لكنه بمجرد استعادة قوته، عنفها جسديًا وهددها ببيعها في سوق الرقيق.

ولا تملك «زوبيا» – لأنها أجنبية الأصل – حق تقديم الشكوى عبر القنوات القانونية الرسمية في أثينا، لكنها استفادت استفادة قصوى من القنوات غير الرسمية بإخبار معارفها عن سوء المعاملة الذي تعرضت له. رغم جنسها، ومستواها الاجتماعي المنخفض، استخدمت «زوبيا» النم للشكوى من معاملة أرستوجياتين ما عنى بالتبعية انتشار سمعته كرجل عنيف وغير أهل للثقة في المدينة.

ووظف خصم ذكر هذه النميمة في المحكمة ليظهر شخصية أرستوجياتين الفقيرة لهيئة المحلفين الرجال. وهكذا، استُخدمت نميمة النساء بفاعلية في تشويه سمعة الخصوم في المحاكم، واستطاعت امرأة من طبقة اجتماعية دنيا، لا تملك حق رفع الدعوى القانونية للقصاص، أن تنتقم من خصمها، وفقًا للكاتبة.

وضربت الكاتبة مثالًا ثانيًا على ظهور نميمة النساء في المحكمة ورد في خطبة للخطيب الأثيني «ليسياس» التي يروي فيها قتل عالم الرياضيات «إراتوستينس». إذ زعم المدعى عليه «إيوفليتوس» أنه اضطر لقتل المجني عليه بعد ضبطه يزني مع زوجته. وحكي «إيوفليتوس» قصة عن امرأة عجوز انتظرته قرب منزله لتخبره العلاقة الغرامية التي تجمع زوجته و«إراتوستينس».

وتقول الكاتبة: إن دور القصة في هذه الحالة هو إبراز السذاجة المزعومة لشخصية «إيوفليتوس» الذي يحتاج من يخبره بخيانة زوجته من ناحية، ومن ناحية أخرى، إظهار السلوك المروع لـ«إراتوستينس» الذي أظهرته المرأة العجوز على أنه كثير الزنا.

ووفقًا لرواية «إيوفليتوس»، لم تأت المرأة العجوز من نفسها، بل أرسلتها عاشقة سابقة هجرها «إراتوستينس». اعتمد «ليسياس» في كتابة هذا الجزء من الخطاب على الكلمات المرتبطة بالسلوكيات الانتقامية في الأدب اليوناني القديم، إذ يصف العاشقة المهجورة بأنها غاضبة وعدائية تجاه حبيبها، ومتضررة من سلوكه تجاهها. وعليه يمكن ضمنيًا استنتاج أن العاشقة المهجورة نشرت عن عمد إشاعة عن تورط «إراتوستينس» مع زوجة «إيوفليتوس» بهدف دفع أي شخص ذي قدرة للتصرف ضد «إراتوستينس»، إما بالشكل القانوني، أو بالقوة.  وهكذا استطاعت امرأة عاجزة عن عقاب عدوها أن تثأر منه باستخدام قوة الكلام.

تقول الكاتبة: «إن الأثينيين تعلموا أن الاستخدام المتعمد للنميمة يمكن توظيفه لمهاجمة الأعداء، وإنهم استخدموا النميمة في الخطابة للتشهير بخصومهم في المحاكم القانونية. ورأت أن وجود نميمة النساء في الحالات القانونية، بما في ذلك نساء الطبقات الدنيا، يظهر أن الأثينيين لم يهتموا بالمصدر، بل استفادوا من كل أنواع النميمة في محاولاتهم لهزيمة خصومهم. إذ استخدمت النساء الأجنبيات أو الجاريات اللاتي لا يملكن أي حقوق قانونية النميمة المتعمدة في الانتقام ممن أساؤوا إليهم».

ـ مقال مترجم / ساسة بوست

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: