Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

الطّائرات وأحلام سلو ـ قصّة لـ أحمد إسماعيل إسماعيل

مثل أسد هائج أودع لتوه في قفص حديدي؛ كان سليمان حمو يذرع فناء داره جيئة وذهاباً، وفي قسمات وجهه المنبسطة حيناً ،والمتقلصة أحياناً ،وفي كل حركة تبدر عنه ، يتضح مدى ما بلغه من قلق واضطراب؛ فهو تارة يندفع بسرعة كثور هائج ،وقد تملكه الغضب،وتارة أخرى يسير بتراخ وكسل وقد زاغت عيناه في حلم ما ، أو يقف في بعض الأحيان يرفع يديه إلى السماء ليتمتم بالدعاء .
هي لحظة تاريخية في حياته ، ففيها تجسدت كل أحلامه وأماله ، ومن أجل أن يستقدمها؛ بذل كل ما لديه من جهد ومال ، جاب هو وزوجته كل كردستان ، طرق فيها أبواب كل الشيوخ والأطباء ، حتى بغداد ، سافر إليها ليعرض نفسه وزوجته (خاني) على أشهر الأطباء. والأمل والرجاء بحذوهما بأن يستجيب الله لمسعاهما ويحقق مرادهما .. وها هو قد استجاب.
صراخ خاني المكتوم يأتيه من داخل الغرفة حاداً ،مؤلماً ، فتجتاحه موجة من الحيرة والقلق، يود لو فعل شيئاً ما؛ يخفف به من عذاب خاني .. فلا يجد سوى الانتظار والترقب . ينسى الطفل قليلاً ويفكر في رفيقة دربه ،وما تعانيه من آلام المخاض فيتذكر قولها المعهود له،والذي كانت تكرره دائماً ، بمناسبة وبلا مناسبة :(أتدري يا سلو.. على الرغم من كل ما يقال عن آلام الوضع ، إلا أنني أتوق إلى تلك اللحظة ،ويقيناً أنني لن أصرخ ، أو أنَّ فيها ، بل سأضحك وأضحك ..ولكن آه..متى يا رب !!
يندفع نحو غرفة خاني ليقتحمها ، ويذكر زوجته بوعدها ؛ علَّها تكف قليلاً عن هذا الصراخ الذي يمزق نياط قلبه ، إلا أنه أحس بالخجل ، فانكفأ راجعاً.
في مكان غير بعيد عن غرفة خاني، قرفص بانكسار وقد هدَّه الانتظار والقلق . أشعل لنفسه سيجارة، عبَّ منها أنفاساً عميقة ومتلاحقة، فتكاثفت أمامه وفوقه سحب من الدخان الأزرق التي تماوجت ، وانداحت وهي ترتفع في الأعلى ، ثم تتبدد بعد أن اتخذت أشكالاً مختلفة في الفضاء ، راح يتأملها ويتخيل من خلالها صورة طفله المنتظر ..مُطلقاً العنان لمخيلته ، التي راحت تنمي الطفل بسرعة ضوئية عجيبة ؛ فها هو وليد يُداعبه في المهد ، وها هو يافع يتردد على المدرسة، وهو ذا شاب وعريس في ليلة عرسه ، ورجل يعتمد عليه : إنه ابنه ..ابن سلو الذي سيكون مفخرة البلدة ، كيف لا ؟ وهو سيصبح طبيباً مشهوراً !! سيشير إليه الجميع بالبنان وهم يقرصون أولادهم ويقولون : انظر ..انظروا إلى ابن سلو ..انظروا أي رجل عظيم قد صار !!
ينتفض فجأة كالمصعوق ، يفغر فمه غير مصدق وصرخة الوليد التي سمعها للتو تتردد في أذنيه ، أتاه الصوت بعيداً وعميقاً ، وبلهفة وخجل أخذ يقترب من الباب . كل مسامة في جسده تحولت إلى أذن ، أو آذان صاغية، وعيناه ترقبان خروج إحدى النسوة من غرفة خاني حاملة البشرى ، وسمع صراخ الطفل مرة أخرى يأتيه من غرفة خاني : واق..واق .
ذهل ، تسمرت قدماه . أحسن بقشعريرة سارة وغريبة تدغدغ أعصابه ، كانت نشوة غامرة قد سرت في دمه ، ملأت كيانه وأسكت لبه، وبفرح طفولي طاغ أراد أن يغني ، ويرقص..أن
يصلي حمداً وشكراً لله، وأن .. تزاحمت في رأسه وصدره أسراب من الأفكار والمشاعر الجياشة . أحس بنفسه خفيفاً يحلق عالياً في أجواز الفضاء ، يفترش غيمة وردية سابحة . يتربع مع طفله على قمة جبل سيروان وكولان ،وكل حلبجه تشخص بأبصارها نحوهما ، متهللة ، متعجبة .
إحساس غريب بدأ يتسلل إلى داخله في تلك اللحظة ، والتي بدت فيها أسراب من الطائرات تتقدم نحو البلدة كالعقبان الهائجة وهي تهدر بجنون ، لم يلحظها سلو ، أو يحس بوجودها، بل أحس بالضيق ، وبالاختناق ،والغثيان ، فتذكر ،وهو على تلك الحال ، تحذير الناس له من نتيجة الفرح المفاجئ ، والذي قد يودي بعقله . ضحك في سره ، وأكد بأن الأمر لا بد أن يكون كذلك .
غامت الدنيا أمام عينيه . بهت كل شيء أمام ناظريه ،أحس بالدوار، وبرائحة نافذة وحادة ، تشبه رائحة الثوم ، قد بدأت تتسلل إلى أنفه ، وتخترق جمجمته . سدَّ منخريه وهو يتساءل بضيق وقرف : من أين هجمت عليه هذه الرائحة ؟! هذه الرائحة التي طالما كرهها منذ صغره، فكان يمتنع عن تناول أي طعام يحتوي على هذه المادة ، حتى خاني حرم عليها تناول الثوم ، إذا صادف وتناولته وشم رائحته من فمها ، فإنه لا بد أن يخاصمها ، ويدير لها ظهره طوال الليل . بدأت قواه تخور ، فلقد أحس بخدر يسري في عروقه ،وثقل يشل لسانه ،وغبش يعمي بصره. ترنح قليلاً في صحن الدار، تلوى ، سقط، ثم اعتدل ، حاول أن يمشي تخبط ، أخذ يجول ببصره فيما حوله ، فتح عينيه على اتساعهما،ولكن لا شيء واضح لعينيه السواد شمل كل شيء، والطائرات حجبت ضوء الشمس عن البلدة، وهي تصدر هديراً مرعباً يصم الآذان . حملق في السماء بصعوبة ، فتبين له ،ومن خلال الغبش المنسدل على عينيه وحوش حديدية تحوم فوقه ، وهي تنعق هادرة ، أرعبه هذا المشهد والذي جعله يوقن بدنو أجله ، فالطائرات ،كما عهدها ،لا تحلق في سماء وطنه إلا لتحصد الناس ،وتزرع الموت في كل ركن ،وكل حي ،أراد أن يلعن بأعلى صوته، أن يستنجد ، أراد يطلق صرخة مدوية،تصل إلى كل أصقاع الأرض ، وإلى الرب في عليائه ، عسى أن يهرع أحد إلى نجدته ، استجمع في حنجرته كل ما فيه من قوة وعزيمة و صاح : هوااااااار…
فندت عنه صرخة واهنة. وبصعوبة بالغة شدَّ قامته لتنتصب ، وبكل حقد وتحد، أرسل نظراته الملتهبة ،والساخطة نحو الطائرات التي ولت هاربة ككلاب مسعورة، بعد أن أفرغت ما في جوفها من سموم !!

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: