Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

بين يدي سَعيد نورسِي: مُشْكلة “العَدالة الإلَهية” في رسائل النور

كعادة المشاكل الفلسفية دائمًا، فرضت “مشكلة العدالة الإلهية” نفسها وبقوة على الساحات الفكرية لتنال حظًا وفيرًا من المعالجة من فلسفاتٍ عدة، بل كانت هذه النظرية هي الأساس التي ترتكز عليه عقيدة “الخطيئة الأصلية” في الديانة المسيحية، إلى جانب كونها الدافع الرئيسي الذي حدا بعضُ الفلاسفة إلى إنكار وجود الإله لاعتقادهم بتغلُّب الشر عليه.

أما الإسلام فلم يكن بمعزلٍ عن الانخراط في معالجة مسألة كهذه، ولذا فقد شغلت هذه القضية عقول مفكري الإسلام على اختلافِ توجهاتهم أزمانًا طويلة، ومن أبرز هؤلاء: متكلمو المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والأشاعرة كالغزاليّ والشهرستاني، حتى إنَّ بعض “متكلمي” الصوفية قد أفردوا لهذه القضية فصولًا وأبوابًا؛ كما هو الحال مع صاحب مقالاتنا هذه “بديع الزمان سعيد نورسي”.

لكن ما هي قضية العدالة الإلهية؟ وكيف عالج سعيد نورسي هذه القضية؟

العدالة الإلهية أو (Theodicy) كما يعرفها اللاهوتي الإنجليزي جون هيك (John Hick) هي: “الدفاع عن العدلِ الإلهي وحقيقة وجودِ الإله في مواجهة الشر الموجود في العالم”، ويصيغ هيك المشكلة في القضية المنطقية التالية:

إذا كان الإله خيِّرًا بالضرورة فإنه لا بد أن يزيل الشر الموجود في العالم.
وإذا كان الإله ذا قدرة لامتناهية فإنه سيكون قادرًا بالضرورة على إزالة الشر الموجود في العالم.
لكن الشر موجود.
إذًا فإمّا أن يكون الإله غير خيِّر وإما أن يكون ذا قدرة متناهية

في “رسائل النور” عالج بديع الزمان سعيد نورسي قضية الشر في ثنايا حديثه عن الأسماء الحسنى؛ متفقًا مع الأشاعرة في القول بأن الشرَّ هو خلق الله بالضرورة، ولأن كل خلق الله خير، فإنه من الواجب الاعتقاد بأن هذا الشر “الظاهر” هو في الحقيقة خيرٌ “باطن”، لكن الإنسانَ مع ذلك مسؤولٌ عن كسب أفعاله، ولذا فإنه هو المُلام الأول عن كسب هذا الشر.

اتَّبع سعيد نورسي إذًا منهج الأشاعرة في قولهم بـ”الكسب”؛ إذ يرى نورسي أن الله قد خلق روح الإنسان كصفحةٍ بيضاء خالية من أي شائبة، ولذا فإنَّ الإنسان مُطالبٌ من جهة مولاه بأن يحافظ على هذه الروح طاهرة نقية، لكن الإنسان عندما يستخدم هِبات الإله بشكل خاطئ، فإنَّ هذه الروح البيضاء تكون منبع كل الشرور في العالم. إذًا الاستخدام الخاطىء هو في الأصل سبب تحول الأعمال الخيِّرة إلى أخرى شريرة، وذلك عن طريق إزالة أحد شروط كونها “خيِّرة”.
كمثال على هذا نقول: “الله هو خالق النار”، هذه النار لها استخدامات كثيرة ونافعة، فمثلًا يتم استخدام النار للتدفئة والطهي، وهذه كلها أفعال حسنة، لكن هذه النار الحسنة قد تتحول بالاستخدام الخاطىء إلى شر ظاهري، كاستخدامها في حرق منازل الأبرياء أو تهديد الآمنين. ولهذا وجب أن نقول: “النار في أصلها خير بالضرورة”، (وهو خلق الله، إذًا فخلق الله كله خير) لكن استخدامها بشكل خاطئ أحالها إلى شر (وهذا هو كسب العبد لا خلق الرب). نستخلص من هذا أن نورسي يعتقد بأن الشر لا وجود له على الحقيقة ولذا فهو “سلبي”، وذلك لأن الشر في نظره “اعتلال أو فقد أحد شروط الخير”، وقد بنى نورسي نظريته هذه على التوحيد، وذلك لأن في اعترافه بثنائية الخير والشر اتفاق مع الثِنوية القائلين بوجود إلهين في هذا العالم، وهذا في نظره باطل بالضرورة.

لكن ماذا عن الشرور الطبيعية في هذا العالم، كالزلازل مثلًا؟ وهل للعبد كسب فيها؟

يعتقد سعيد نورسي بأن الكوارث الطبيعية التي تبدو في ظاهرها شرَّا قد تحدث نتيجة كسب العبد نفسه، ولذا تكون هذه الشرور بمثابة عقوبة من الله لزجر العبد على ما فعل، مثل الزلازل والبراكين والتسونامي، ولتفادي الاعتراض الذي يمكن أن يُوجه إليه في هذا النقطة يستطرد نورسي فيوضح بأن الكارثة تصيب المذنبين وغيرهم، فأما المذنب فتكون الكارثة عقابًا له، وأما غير العاصي فتكون ابتلاءً له؛ ولذلك يستحق هذا الأخير بسببها أن يكون “شهيدًا”، وفي هذه الحالة تكون هذه الشرور “الظاهرية” هي في الحقيقة خيرٌ محضٌ. ومما هو جديرٌ بالذكر أن ربط الشرور التي تحدث كعقوبة للعبد بالذنب الذي اقترفه موجودٌ أيضًا عند بعض فلاسفة المسيحية، كاللاهوتي المسيحي “شلايرماخر” في حديثه عن نظرية العدالة الإلهية.

يتوغل سعيد نورسي في دفاعه عن قضية العدل الإلهي ليؤكد بأن الله قد سمح بوجود الشر في العالم لسببين:

أولًا: الشرور -كما يرى نورسي- هي تمظهراتٌ لأسماء وصفات الله عز وجل، وتنقسم هذه الصفات عنده إلى قسمين: صفات الجلال وصفات الجمال، والشرور في وجودها في العالم تعكس كلًا من هذين النوعين، فمثلًا: تدل البراكين والزلازل على عظمة الله وقدرته في الكون، ولذا تعكس اسم الله القادر. ومن هذا نرى أن نورسي قد ربط ببراعة بين صوفيته المتمثلة في اعتقاده الراسخ في “تمظهرات الأسماء الإلهية” وبين علم الكلام الإسلامي من خلال استعماله العقل لإيجاد “حل منطقي” لقضية الإشكال بين العدل الإلهي ووجود الشر في العالم.
ثانيًا: الشر موجود في العالم كوسيلة لخير أعظم (وهذا الاعتقاد من النورسي موافقٌ لما ذكره كل من جون هيك وشلايرماخر في نظريتهما عن العدالة الإلهية)؛ إذ يؤدي الشر دوره كوسيلة تساعد الإنسان على تحقيق الكمال، مثال ذلك: عندما يبتلى الإنسان بالمصائب والشرور يتوجه إلى عبادة ربه ودعائه، ولذا فقد وعد الله الصابرين على البلاء بالأجر العظيم. من هنا نرى أن الشرور تساعد على تقوية العلاقة بين العبد وربه، وهذا هو سبب بقائها في هذا الكون، لكن قد يُعترض على هذا بالقول بأن الشرور قد تكون سببًا في غمس العبد في النار لا وسيلة لتحقيق الكمال، أَوَلَا نجد كثيرًا من أهل المعاصي منغمسين في الشهوات ومغيبين عن معرفة الخير؟ يجيب نورسي على هذا الاعتراض فيقول: إن عددَ هذا الصنف من الناس قليلٌ جدا مقارنة بأولئك الذين تدفعهم البلايا إلى خير عظيم، ولذا فإنه ليس من الحكمة منع الشر في هذا العالم تحججًا بأفعال تلك القلة.

هكذا عالجَ نورسي -إذًا- الإشكال القائم بين “العدل الإلهي” ووجود الشر في العالم، ولهذا يجب أن نقول في الختام:

كان سعيد نورسي من قلائل مفكري القرن العشرين الذين استطاعوا ببراعةٍ تطويع تصوفه لخدمه القضايا الكلامية الهامة، ولهذا صدقَ عليه -من وجهة نظري- وصف “متكملي الصوفية”، فقلما نجد من بين المتصوفة من يستطيع معالجة القضايا الفلسفية الشائكة باستخدام مزيج “العقل” و”التصوف”، ولهذا أعلن نورسي:
“لقد امتزج قلبي بعقلي منذ ثلاثة عشر عامًا ضمن انتهاج مسلك التفكر الذي يأمر به القرآن المعجز البيان. ولقد تواردَتْ في غضون هذه السنوات الثلاثين على عقلي وقلبي أنوارٌ عظيمة وحقائق متسلسلة طويلة، فوضعت بضع كلمات -من قبيل الإشارات-، لا للدلالة على تلك الأنوار، بل للإشارة إلى وجودها”.

  • روضة فوزي / مجلة المحطة
الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: