هواجسُ الثلاثين / نصّ لـ زكية طه الديب

كعادتي في كلّ صباحٍ ماطر،أتأخرُ باستيقاظي، يغريني دفءُ الفراش لنصفِ ساعة إضافية للتفكير بعيونٍ مغمضة في لحظاتٍ وذكريات لن تتكرر متناغمةٌ صورها في مخيلتي مع طرقِ قطراتِ المطر على النافذة.

وكعادتي أيضاً أطالعُ آخر الأخبار من خلال تطبيقٍ على الجوّال، لكن قبل المطالعة تلمعُ فكرة في رأسي.

لِمَ لا ألتقط صورة “سيلفي” لأرى كيفَ أبدو قبل نهوضي؟

أرفعُ جوالي بكسل متعمّد وألتقط الصورة، وفجأةً تنحبسُ أنفاسي وتستيقظُ حواسي العشر لا الخمس.

ـ من هذه؟؟ أهذهِ أنا ؟؟.. لا أصدق كم كبرت!!

ـ وكل تلك التجاعيد الواضحة من أين أتت، وكيف؟!!

ـ السهر لساعات متأخرة اأمام الجوال، أيعقلُ أنه السبب الوحيد .. كلا.

ـ مهلاً .. كم أصبح عمري؟

ـ ماذا ..؟! أجيب نفسي بشهقةٍ صامتة: تسعٌ وعشرون.. منذُ متى وصلتُ لأعتاب الثلاثين!

سنة واحدة ..تفصلني عن الرقم الذي أكرهه.. سنة واحدة ويطلق عليّ ثلاثينية العمر.

لطالما تغافلتُ أنني سأكبرُ يوماً بهذه السرعة، وانتقلُ إلى العمر الذي تبدأ به ملامحُ التعب بالظهور ويتضاءل فيه الجمال

الخارجي شيئاً فشيئأ.

إنه الحدّ الفاصل الذي طالما سمعت عنه من النساء، الحد الفاصل بين الكبر والصغر، بين المرح والرزانة، بين اللعب

والجد، وبين اللامبالاة وتحمل المسؤولية، مع أنني كنتُ أهلاً للمسؤولية منذ نعومة أظافري.

كم هو شقيٌّ أن يظلَّ المرء غارقاً في اعتقاده أن الحياة لا تزال أمامه حتى يرى نفسه في المرآة شخصاً آخر تلطخت

ملامحه بدماء التجارب واستقرت في عيونه رصاصات الخذلان وتصدأت داخل أوردته سكاكين الزمن فبات انعكاسه على

المرآة نقياً واضحاً على الرغم من يقينه التام أنه شبح زومبي مرعب.

أعودُ لنفسي، أنهض كلبوةٍ جياعٌ أطفالها، أبحث عن مرآة أسكِتُ بها هواجسي المخيفة، وأكذّبُ الكاميرا التي التقطت لي

تلك الصورة الموجعة، لكن خلال نظري لنفسي في المرآة أكتشفُ أشياء جمّة، أكتشفُ أنني أهدرت سنواتي الماضية دون أيّ هدف، و دون تحقيق أدنى ما كنت أرغب فيه، أحلامي لم يتحقق معظمها، ساعاتٌ لا تعدّ ولا تحصى أهدرتها لأشخاص باتوا من عداد الموتى، مقابرهم محفورة داخل ذاكرتي، وكثيراً من الجهذ المبذول والتفكير الفارغ لمستقبل مجهول الأقدار.

لكنّي لا زلتُ على قيد الحياة ما دمت أرى انعكاس وجهي على المرآة نقياً وضحكتي تملأ صدري فرحاً وسعادة، وطالما وُجِدت الحياة فلا يأس ولا استسلام ولا ندم على ما مضى، ولأكن ابنة الثلاثين بروح طفلة شقية تناضلُ من أجل تحقيق أحلامها الوردية غير آبهةٍ بخداع صور “السيلفي “الحقيقية!

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: