رواية «سليمان الجائع» .. عندما تسرد الذّات وطنا

يأتي كتاب «سليمان الجائع» للإعلامي والكاتب الفلسطيني الألماني الحكم عبد الهادي، الصادر حديثاً عن دار طباق، والصادر من قبل بالألمانية، تحت مُسمى رواية، في حين يمكنُ عدّه: سيرة ذاتية، إذ يتلمّس المتلقي هذا الخيط من المقدمةِ التي كتبها الروائي، الذي نفسهُ يظهرُ في المتنِ بوصفهِ إحدى الشخصياتِ الفاعلةِ في تحريكِ المشاهد ورسمِ الأحداث، وما المواربةِ التي تقول بعدمِ وجود حقيقة متكاملة في المقدمة إلّا هروباً مما تفتحُه هكذا سيّر من مشاكل في مجتمعات مازال «حرملكها» الأسروي أحد التابوهات التي لا قدرة إلّا للمغامرين المساس بها. ولهذا نجدُ عبد الهادي يقولها صراحة بأنّ الكتاب ليس وثيقة، ليتركُ الباب مفتوحاً على المتخيّل والواقعي، وفي الوقت نفسه يتهرّب من استحقاقٍ معنوي تتركه روايته، أو لنقل سيرتهُ الذاتية الذاهبة إلى رويّ الحقائق الخاصة بالأسرة، أو بمجتمع أكبر هو أسرتهُ الكبيرة (فلسطين).

العتبةُ النّصيةُ

إنّ أي قراءة تروم كشفَ النص لابدّ أنْ تأخذُ بالعتبةِ النصيّة، بمعنى ما دراسةِ العنوان والغلافين الأول والأخير، ومن ثمّ العلاقة بينهما والمتنِ الحكائي، وهنا نجدُ عنواناً رئيساً: «سليمان الجائع» وثانوياً «عنِ الضحكِ والبكاء في فلسطين»، وإذا أخذنا بالعنوان سنجدهُ عادياً لا انزياحَ فيهِ، أو لنقل مبسّطاً بما يتماشىَ مع لغةِ الكتابِ. ويبدو الكاتب حذراً في التعامل مع اللغةِ، لتكونَ مناسبةً للحكاياتِ التي فيها الضحك والبكاء والجوعُ المتمثّل في البطلِ (سليمان)، جوع ليس بمعناه الصرف، بقدر ما هو ينسحبُ على الحياةِ، جوعٌ من خلالهِ يسردُ علاقة الشخصيات التاريخية مع احتلالات فلسطين وبوادر المقاومةِ، فالراوي استطاعَ تقديم وثائق وإحالات إلى الرفضِ الفلسطيني الأولي سواءً للعثمانيين أو الإنكليز أو الصهاينةِ، كذلكَ لوجودِ حبكة غير ثابتة، واضحة، أو متوزّعة على مجملِ الحكايات التي لا تنتظم وفق المنهج التقليدي للرواية، ينجحُ عبد الهادي بتبيئةِ نصّه، من عَرابة بلدةِ سليمان وآلهِ إلى جنين ونابلس، ونكونَ في أغلبِ الأحيانِ مع حكايا كثيرة تنطقُ بالعاداتِ والتقاليد وطقوس وثقافة الأكل والعرس وغيره، كما لو أننا أمام مبحثٍ إثنوغرافي، يقدم صورة عن المكان وساكنيه لآخرٍ يجهلُ هذه البيئة أو الحقبةِ الزمنيةِ. هذه اللغة تتفكّك من الصياغة الزائدة الحواف، أو المفكّر بها على حساب الفكرة والمرامي الأصلية لروح السيرة، وقد ينجح قارئ الرواية في ما لو نظر لها كما لو أنّها حكاية أو مجموع حكايات، تريد قول التاريخ بطريقتها، تاريخ شخصي وآخر جمعي.

العنوان الثانوي يحيلُ بطريقة ما إلى عنوان ميلان كونديرا «كتاب الضحك والنسيان»، ولعلّ من قبيلِ المصادفةِ أن يكونَ الكتابان لا يمنحان الحبكةِ الأهمية، وإنّما تأتي عناوين داخلية تتلاقى من حيث الشخصيات وتناميها الرتيب نسبة للأحداثِ والمصائر.

ما بين البكاء والنسيان

من ناحية أخرى نجد العنوان الثانوي يحيلُ بطريقة ما إلى عنوان ميلان كونديرا «كتاب الضحك والنسيان»، ولعلّ من قبيلِ المصادفةِ أن يكونَ الكتابان لا يمنحان الحبكةِ الأهمية، وإنّما تأتي عناوين داخلية تتلاقى من حيث الشخصيات وتناميها الرتيب نسبة للأحداثِ والمصائر، وفي الكتابين تقسيمٌ مراحلي، عندَ عبد الهادي تسعة فصول، وعند كونديرا سبعة، عبد الهادي مُسماه واضحٌ: فلسطين، كونديرا: (بوهيميا) قاصداً بلده تشيكوسلوفاكيا، في كتاب «سليمان الجامع» حديثٌ عن البلدِ واحتلالاتهِ وأحوالهِ، وفي كتابِ «الضحك والنسيان» يرصدُ تاريخاً يبدأ من الحرب العالمية الثانية إلى عام 1969. إلا أن ذلك لا يعد تناصاً مباشراً، فأجواء العملين مختلفين وكذلك اللغة، إنما تأتي الإشارة إلى تقانات عديدة للكتابةِ، ويصبحُ من اللاجيد قتل الجنس الأدبي بتسميتهِ، وهو ما قاربه صاحب «الضحك والنسيان»، وهو ما استفاد، ربّما، منهُ صاحب «سليمان الجائع» حين ترك سيرته بلا مركزية، ولم يشتغل على تنامي شخصياته. ومهما يكن من أمر هذه الإحالة فهي في المحصلةِ تعريف أولي بما قد تفتحهُ سيرتان في مكانين مختلفين وزمانين مختلفين ويلتقيان في حدود مفتوحة.

الأصوات السردية وصراعُ اللغة

على طريقة المسرحيين، يضعُ الروائي في مقدمة كتابهِ «شخوص الرواية» وهم يمتدونَ من الجدّ إلى الحفيد، من عطا والد سليمان بطلُ الحكاية إلى سليمان وعطا الابن فعطاف شريكةُ البطل في الحياة والروي إلى الأخوات والبنات وبقية الأبناء بمن فيهم حسن، تشيرُ الحكاية إلى أنّه هو نفسهُ الراوي السارد. يتعدّد السرّاد، يتركهم الراوي يتحدثون، يتدخلُ أحياناً من خلال تحميلهم ثقافته، وأحياناً يظهرُ بشخصهِ، وهو بنقلهِ صراعاتهم يقومُ بتعريتهم، إذ هناكَ صراع داخلِ الأسرةِ البيولوجية، وصراع آخر مع الحمولةِ (آل عطوان) وصراع ثالث مع حمولة (آل شرار)، حيث تتناسل الأحداثُ، لنجد تركيز عبد الهادي إلى إظهار المفارقةِ الطبقية من حيث القوة والمال، ضمن الحمولة الواحدة، ومن ثمّ بينها وبين هؤلاء الفلاحين والمهمّشين في أسفل السلّم الاجتماعي.
تنتهي السيرةُ الممتدةُ على 270 صفحة من القطع الوسط بموت عطاف بوصفها شريكة محورية في السرد وحياة الشخصيات، السيرة التي لخصّت الكثير من تاريخ بلد مازال يرزحُ تحت احتلال عنصري، إضافة إلى تقديم ما يخصّ المثاقفةِ بين مجتمعين عربي وآخر أوروبي بحكمِ شخصيةِ حسن التي تلبّسها الراوي أو تلبّستهُ، وتلك الحوارات المتفاعلة، التي لم تبتعد عن التنظير بقدر ما ركبّت الشخصيات مستوى ثقافياً يفوق وجودها، غير أنّ ما يشفعُ لهذا التحميل الذي خالف لغة الروي العامة، هو الوقت الذي تتعرض فيه الشخصية العربية إلى التشكيك بقدراتها.
الحكم عبد الهادي في «سليمان الجائع» يقدّم وثيقة ما على عكس ما صرّح في المقدمة التي دونّها في مفتتحِ سيرتهِ، وبذلك ساهم في رفعِ الغشاوة وببساطة، ضمن الحدود المتاحة، عن مغالطات يتمّ عادة الاقتراب منها بتعمية اللغة أو بإهمال استراتيجية الفكرة.

٭ محمد المطرود / شاعر وناقد سوري مقيم في ألمانيا
* المصدر: القدس العربي

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: