Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

ذات الأربعة والأربعين لساناً / قصّة قصيرة لـ شيرين صالح

لا أحد في القرية يعرف من لقّب فاتو بذات الأربعة والأربعين لساناً، هي امرأة على قدر من الكبرياء والجمال، تُبدي اهتماماً كبيراً بزينتها، ترفع كُميّها عادة لتظهر أساورها الذهبية وخواتمها.
كانت النساء يجتمعن في بيتها الوحيد المؤلف من طابقين، وتبدو فاتو أكثر نشاطاً ومرحاً ولا تفارق الابتسامة وجهها عندما يجتمعن لاحتساء الشاي عدا جارتهن الأرملة أم زيني التي سكنت مؤخراً في القرية مع بناتها الثلاث. أم زيني زوجة مزارع غني توفي في حادث سير. تنقل فاتو عنها حكايات كاذبة غيرة منها، لا أسرار لدى فاتو. جميع النسوة يحدقن فيها وهي تسرد تفاصيل ما يحصل في القرية، حتى أخبار الساسة، تكتفي بابتسامة بين جملة وأخرى. قالت في إحدى جلساتها مع أم ديار أثناء زيارتها إلى بيت فاتو: ترامب لديه مصالح، أنا شخصياً لم يؤذني الرجل، لكنه سبب البلاء في سورية…

يبدو في عيني أم ديار الامتعاض قائلة: ما شأنكِ أنتِ بترامب.. بشؤون السياسة؟ دعينا ننظف الخباز الذي أحضرته لكِ…

إن حدث لفاتو وصادفت أم زيني تحافظ على اتزانها، توشي كلامها بمسحة من المجاملات والإعجاب بجمال بناتها واتزانهن، وبأن أم ديار تغتاب بناتها في حضور نساء القرية قائلة بنبرة سخط، مظهرة الكياسة لتتحاشى إثارة غضب أم زيني، قائلة: لا أعرف لماذا تنمّ أم ديار على بناتك… وأنا التي دائماً أنصحها بالكف عن ذلك والالتفات إلى نظافة بيتها الذي تفوح منه رائحة كريهة… من غسيلها الذي تنشره كيفما اتفق..

أم زيني على دراية بأن فاتو مصدر تلك الوشايات الكاذبة، في تلك الأثناء تتبدى الدهشة على بشرتها السمراء، وهي تراقب شامة فاتو التي تشبه حبة عدس جافة تيبست على بشرتها الناصعة البياض، ترد عليها بهدوء ظاهر متمالكة نفسها: أنا سأذكرها بنصائحكِ… لا تقلقي…

تتهامس نساء القرية بأن فاتو تمارس أعمال السحر والشعوذة، يؤكدن أنها السبب في طلاق أم جوان من زوجها، وهي السبب في القطيعة بين جميلة وخطيبها أحمد الطحان. وأن جارهم حسين الموظف في مكتب الحبوب يتقاضى الرشاوى. لا تتوانى فاتو عن مساعدة الجيران، خاصة إذا كانوا في ضيافتها، قد يعقد ذلك لسانهم إن قاموا بلومها يوماً ما، لكنها تسبب حذر الآخرين منها.

في تلك الليلة الحارة تألقت وجوه النساء بضوء المصباح الكهربائي الذي يلف المكان ويحيل وجوههن إلى اللون البرتقالي. كن مجتمعات في رقعة الأرض الخضراء للمرج المطل على بيت أم زيني.

قالت إحدى الجالسات التي تكبر زوجها بعدة أعوام وهو مقبل على أن يتزوج عليها للمرة الثانية: زوجي الخائن يريد أن يتزوج عليّ.. مراراً تحملت عيونه الزائغة… أكرهه عندما يحدق في النساء بحضوري بعيون تكاد تبلعهن وهو يلف شاربيه وكأنني غير موجودة… آه من حماتي التي تنعتني بأم السبع بنات… ترد فاتو بتملق قائلة: أنتِ تبدين أصغر من زوجك بكثير… لو كنت مكانك لحرقت في التنور طقمه الوحيد الذي اشتراه يوم عرسكما قبل خمسة وعشرين عاماً والذي يرتديه في كل مرة يذهب فيها لخطبة بنات القرية، أو لدهنته بالسمن العربي..

تتفحص فاتو يديها وتقلبهما إلى الأعلى والأسفل، تثير بكلامها حنق إحدى الجالسات وهي ذات بشرة سمراء قائلة: لا أحب شهر آذار لأنه يحيل لون يدي وبشرتي إلى الأسمر.. كما تعلمون

أنا بشرتي بيضاء ولا أستخدم مستحضرات التجميل كما تفعل ذوات البشرة السمراء… أنا امرأة سوية مثل إصبعي هذا…

فجأة ترفع سبابتها الملتوية قليلاً والممتلئة بالنتوءات قائلة وهي تشير بها: لا أحب التدخل في شؤون هذا المجتمع المتخلف…

تمرر فاتو لسانها على شفتها السفلى وتعدل من زنار فستانها السموكي الحريري، تشير في كلامها إلى زيني، تدير رأسها متجاهلة الثرثرة وتعابير الفضول في وجوههن، ترفع نبرة صوتها الثخين لتنفرد بالكلام قائلة: سمعت أن أخت زيني، لا أعرف اسمها، تلك التي تتمايل بمشيتها وترتدي بنطالاً ضيقاً ليست موظفة.. الله أعلم على ذمة القائل…

لم ترفع النسوة أبصارهن عنها، تحجب بأصابعها الناصعة طرف شفتيها قائلة: في كل صباح تخرج إلى حيث لا نعلم…

في غمار السكون الذي طرأ لتوه، تتبادل النسوة النظرات المغتاظة منها، يعلو صوتها من بين أصوات النسوة يصل إلى أسماع أم زيني، إذ تنشر الغسيل على السطح حيث المسافة قصيرة عن مكان تلك الجلسة، أخذتها رجفة، جن جنونها، فصرخت بأعلى صوتها، واتجهت بقامتها النحيلة إلى إحدى زوايا السطح من دون وعي قائلةً بصوت غاضب: لن أسمح لكِ أن تتكلمي عن ابنتي بهذه الطريقة…

تقول بديعة وهي تزم أحد أطراف شفتيها يميناً وشمالاً: وما أدراكن، قد تكون فاتو على حق بكلامها… ألا تخجل من ملابس بناتها ذات الأكمام القصيرة؟…

ترفع أم زيني يدها المرتعدة صوب فاتو بحركة لا إرادية محاولة أن تطاول شيئاً لكن دون جدوى، قائلة: اسكتي.. أرجوك اسكتي …

يحمرّ وجه أم جوان انفعالاً وهي تقول لفاتو: أما من رجل في هذه القرية يلقنها درساً قاسياً.. ستعلق من لسانها هذا في يوم القيامة….

تتجاهل فاتو كلام الجالسات وترد باهتياج وتنمر على أم زيني: عليكِ أن تخجلي من طقطقة أحذية بناتك ذات الألوان البراقة والكعب العالي..

أسكت الغضب أم زيني، فردت بكلمات متلعثمة: لا أصدق ما يحصل لي…

اختفى صرير أساور فاتو الذهبية وسط الأصوات المتعالية وهي تسند يديها إلى خصرها قائلة: رأيتهن بأم عيني التي ستأكلها الديدان إن كذبت يتكلمن بهواتف نقالة ويضحكن بصوت عالٍ في الأزقة، حتى من دون أن يسلمن على أحد أو أن نعرف مع من يتكلمن؟ هل هذه عاداتنا وتقاليدنا؟

يختل توازن أم زيني، تسقط من أعلى السطح، في تلك اللحظة تهرع النسوة يحملنها وسط الصراخ والعويل، تبدو كجثة، لم يند عنها صوت ألم.

في تلك الأثناء لم تلاحظ إحداهن فاتو وهي تتسلل مغادرة المكان بخفة، تتمتم بصوت خفيض قائلة: ما الذي حصل؟ لا علاقة لي بشيء.

تُنقل أم زيني إلى المشفى على الفور، تظهر نتائج التحاليل الطبية أنها أصيبت بشلل كلي.

سرعان ما نسيت فاتو ما حصل بعد عدة أيام، إلا أن أم زيني انفعالية وسريعة الغضب قائلة وهي تكلم نفسها: كنت أعلم أنها ستقع يوماً في شر لسانها…. لكنها كقطة بسبعة أرواح…

بات لجمال فاتو وكرمها قالب آخر، ملامح تعكس في عيونهن تلك الواقعة أينما لمحوها وتذكرهن بها، ومثار حديثهن اليومي.

إن مرت من أحد الأزقة يتحاشى المارون النظر إليها. يتجاهلونها أو يتغامزون حول اسمها ولقبها.

لاحظت فاتو مؤخراً ذلك كلما خرجت، إذ تسمع وشوشة جاراتها المجتمعات في أحد الأزقة أثناء مرورها، لم ترد إحداهن جواباً حين بادرتهن بالسلام، فقالت بديعة في تلك اللحظة: يا جماعة لا شأن لفاتو بما حصل مع أم زيني.. هذا قدرها..

تسمع فاتو إحداهن أثناء رحيلها عن المكان وهي تقول للجالسات: ذات الأربعة والأربعين لساناً ثانية! ليبتعد الجميع عن الأسطح! لا نعرف ما قد يحصل… الحذر واجب..

تتابع طريقها بمشية سريعة ومرتبكة، تسحب كُميها لتخبئ أساورها المبرومة تحتهما قائلة: سأخبئ ذهبي من عيونهن التي تكاد تخرج من محاجرها.. ستقتلهن الغيرة مني…

تعود مضطربة إلى بيتها، تقع عينها على دالية العنب المزروعة في دهليز بيتها، تحدق فيها بإمعان، تسحب برؤوس أصابعها ياقتها. تهزها بحركة سريعة متتالية، تنفث عليها ثلاث مرات قائلة: همممم… الآن عرفت سبب جفاف عنب هذه الشجرة قبل أوانه… سبب جفاف حليب بقراتي… عليّ أن أتدبر حجاباً عند الشيخ تحسين يحميني من عيون الحاسدين.

ـ

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: