Call Sy +963 sami.bongj@gmail.com

عدة عصافير بحجر واحد.. لهذه الأسباب تدعم فرنسا وروسيا وأمريكا حفتر!

في يوم 4 أبريل (نيسان) الجاري، أطلق اللواء المتقاعد الليبي خليفة حفتر؛ عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس، فبدت أصوات الإدانة والاستنكار لهذه العملية خافتة، أو «زائفة» إلى حد كبير.

إذ أن بعض الدول التي دعت إلى إيقاف المعركة واللجوء إلى الحل السياسي؛ كانت في الخفاء تمد حفتر بالأسلحة والدعم اللوجستي كي تصبح دفة النصر لصالحه، هذه الدول لم تنحصر فقط في المحور العربي (الإمارات والسعودية ومصر)، بل في دول عالمية منها فرنسا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهي دول تحركها بشكل واضح مصالحها في ليبيا، فهي تريد نفط هذا البلد، علاوة على رغبتها في التصدي لجماعات الإسلام السياسي، فيما تضاف إلى هذه المطامع أسباب خاصة بكل دولة دون الأخرى كما يظهر التقرير التالي.

إيطاليا والنفط والجماعات المتشددة.. تميل بكفة فرنسا ناحية حفتر!

حاولت باريس دومًا الظهور بمظهر الداعم لجهود السلام الدولية في ليبيا، فبرزت باعتبارها دولة وسيط تجتهد في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، فاستقبلت كلا من اللواء المتقاعد الليبي خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا فايز السراج في قصر الإليزيه؛ بيد أن ما خفي كان مغايرًا لما تعلنه باريس؛ فالانحياز الفرنسي لحفتر كبير ومتوصل من أجل إكسابه المزيد من الشرعية الدولية.

في البدء دعمت فرنسا اللواء المتقاعد عسكريًا وسياسيًا في معاركه بالشرق الليبي، حيث الأرض التي ترى فيها باريس مصالحها النفطية، فأرسلت في أواخر العام 2015 مستشارين عسكريين وقوات خاصة لديها خبرة بحرب المدن وأقامت معسكرًا في قاعدة جوية بالقرب من بنغازي، وهي المساعدات التي حولت دفة المعركة لصالح حفتر من أجل السيطرة على مدينة بنغازي.

ثم مضت فرنسا التي اتهمتها حكومة الوفاق الوطني بشكل رسمي بدعم حفتر قبل أيام؛ نحو دعم الرجل في عملياته في الجنوب الليبي، فاعتبرت تلك العمليات ناجحة في القضاء على «أهداف إرهابية»، ومهمة لأنها شملت الحقول النفطية في الجنوب الليبي التي يجب –من وجهة النظر الفرنسية- أن يستفيد منها جميع الليبيين، وأن لا تبقى حكرًا على «المؤسسة الوطنية للنفط» التابعة لحكومة الوفاق.

التحركات العسكرية الفرنسية السابقة، تكررت في معركة طرابلس الدائرة الآن من أجل سيطرة حفتر على العاصمة، ففي 16 أبريل الحالي، تمكنت أجهزة الأمن التونسية من اعتقال مجموعتين من أفراد يحملون أسلحة وجوازات سفر دبلوماسية فرنسية؛ وصلوا إلى الحدود التونسية قادمين من ليبيا، ورجح المراقبون أن يكون هؤلاء المسلحون من ضمن الفريق الفني العسكري الفرنسي الذي يدعم حفتر انطلاقًا من مدينة غريان.

وفيما يتعلق بالدوافع وراء الموقف الفرنسي الداعم لحفتر في كل تحركاته، يمكنا القول أن فرنسا التي تواصل حماية حفتر على مستوى الاتحاد الأوروبي وفي مجلس الأمن يهمها الإضرار بالمصالح الاقتصادية والأمنية لإيطاليا، المستعمر السابق لليبيا، والمنافس الأجنبي الرئيسي لأي طامع في النفط الليبي. وهو الأمر الذي تسبب في تصاعد التنافس الإيطالي الفرنسي في ليبيا بشكل كبير، إذ لا تخفي روما استياءها من التدخل الفرنسي، في بقعة مهمة لنفوذها في الشمال الأفريقي، بينما تتمسك باريس بمصالحها السياسية والاقتصادية، وهو صراع تمثله المنافسة الشرسة بين شركتي النفط والغاز «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية.

كما أن فرنسا التي تتبع في الواقع بسياستها تجاه ليبيا السياسة الإماراتية؛ تريد من حفتر الذي تضم قواته مقاتلين علمانيين إلى جانب العناصر السلفية المتشددة والمليشيات القبيلة ويروج لنفسه أنه الخصم الشرس للجماعات الإسلامية؛ أن يخلصها من خصمها الإسلام السياسي، فهي ترى الرجل مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حائط صد في مواجهة الإسلاميين في شمال أفريقيا، وهي تنطلق في دعمها هذا من ضرورة وقف إمدادات الأسلحة للمجموعات المسلحة، التي تُهدِّد الحكومات الهشَّة في النيجر وتشاد ومالي التي تقع تحت وصايتها، وذلك على اعتبار أن المعركة ضد التمرُّد الإسلامي في هذه المناطق يُمثِّل أولوية الأمن القومي الفرنسي.

روسيا.. موطء قدم جديد في أفريقيا ومآرب أخرى!

في العلن، عرضت روسيا نفسها وسيطًا بين الفصائل المتنازعة في ليبيا، منطلقة من قاعدتها الدبلوماسية الذهبية بأنه «لا تضع كل البيض في سلة واحدة» والتي تهدف إلى الذهاب لجميع الأطراف؛ بغض النظر عن طبيعة العلاقة مع كل واحد من هذه الأطراف.

وبناء على ذلك، كانت زيارة حفتر ولقاؤه بمسؤولي وزارة الخارجية في موسكو أمر منتظم، فشوهد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 في اجتماع بموسكو يجاور يفغيني بريغوزين، رجل الأعمال الروسي الذي يدير شركة عسكرية خاصة؛ يُقال إن مقاتليها منتشرون في شرق ليبيا، وذهب أيضًا مسئولين روس لحفتر، وعلى الوجهة الأخرى استقبلت روسيا فايز السراج في موسكو، ووقعت معه الاتفاقيات الاقتصادية لشراء النفط من شركة «النفط الوطنية» الليبية في طرابلس.

لكن روسيا التي رأت الولايات المتحدة تدعم حكومة السراج؛ كانت تتحرك بشكل سري لصالح حفتر في ليبيا، ويمكن القول أن ذلك ظهر بشكل جلي في معركة طرابلس التي دعت موسكو مع انطلاقها إلى تجنب «إراقة الدماء». ففي هذه المعركة أخذ الكرملين «يفرد الحبل على الغارب» في دعمه العلني لحفتر الذي يتحدث الروسية، وذلك بعد أن كانت موسكو تأمل في ترك قنوات الاتصال مفتوحة مع الحكومة في طرابلس.

ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة إشارات واضحة؛ فقد عرقلت موسكو في السابع من أبريل الجاري، صدور بيان عن «مجلس الأمن» يدين حفتر ويدعوه لوقف الهجوم على طرابلس، كما أكدت مصادر غربية على أن روسيا أرسلت مرتزقة روس ينتمون إلى شركة خاصة إلى ليبيا، وزودت قوات حفتر بقطع مدفعية ودبابات وطائرات بلا طيار وذخائر بمساعدة من الإمارات ومصر، كذلك قامت موسكو بطباعة النقود وختم العملات المعدنية لحكومة حفتر، ناهيك عن قيام روسيا قبيل معركة طرابلس بإرسال مستشارين عسكريين وضباط مخابرات إلى شرق ليبيا، وزودت حفتر بقطع الغيار والإصلاحات والرعاية الطبية، بل قام المقاولون الروس من القطاع الخاص بحراسة المصانع في بنغازي وقدموا معدات لإزالة الألغام.

وتقف وراء هذه التحركات الروسية عدة مصالح لموسكو، منها ما هو اقتصادي يتعلق ببيع أسلحة لليبيا باعتبارها أحد زبائنها العرب الرئيسيين، إذ أن روسيا  قد انتهكت حظر استخدام السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، وباعت أسلحة لحفتر للتعويض عن ما خسرته بعد سقوط نظام القذافي عام 2011 الذي أغدق في شراء الأسلحة منها، كما تنحاز روسيا لحفتر جريًا وراء النفط، فرجل الحرب القوي أصبح المسيطر الأهم على المناطق المنتجة للنفط في ليبيا.

وسياسيًا تريد موسكو إظهار حضورها  في ليبيا بعد ما أنجزته في سوريا، فهي طامحة نحو عودة تدريجية إلى أفريقيا، وترى في التعاون مع حفتر القريب أيديولوجيًا منها صورة فعالة لهذه العودة، التي تحقق لها البقاء في أفريقيا لاعبًا محوريًا ووسيطًا أساسيًا، يشارك أوروبا في نفوذها في هذه المنطقة، ويحقق لها فرص للحصول على تنازلات من الاتحاد الأوروبي بشأن أمور أكثر أهمية لمصالح روسيا، مثل رفع العقوبات عن أوكرانيا.

ما بين غمضة عين وانتباهتها.. يتبدل موقف ترامب من حفتر!

«لقد بنى حفتر شبكات رعاية على مدى خمس سنوات يعززها الآن الدعم المالي الأجنبي والدعم العسكر، كان هدفه منذ فترة طويلة الاستيلاء على الحكم من خلال مزيج من الفتح والتزكية وإنهاء السياسة واستبدال ذلك بالحكم العسكري». *السفير الأمريكيالسابق في ليبيا، جوناثان وينر.

وفي الوقت الذي دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبو  إلى الوقف الفوري لهجوم حفتر على طرابلس، وعارضت هذا الهجوم الخارجية الأمريكية، ودعت لوقف العمليات العسكرية فورًا وعودة جميع القوات إلى مواقعها السابقة؛ ظهر تحول مخالف على السطح؛ لم يقتصر فقط على معارضة واشنطن لقرار يدين حفتر في مجلس الأمن، بل ظهر في إعلان البيت الأبيض عن اتصال للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحفتر في 19 أبريل الجاري، أثنى فيه ترامب على «الجهود التي يبذلها المشير حفتر في محاربة الإرهاب؛ وتأمين المصادر النفطية الليبية»، لتشكل هذه المكالمة «تغيُّرًا متقلِّبًا آخر، وحالة من الإشارات المتضاربة، من جرَّاء تدخُّلات ترامب الشخصية المتقلِّبة بحسب أهوائه» كما يقول مؤلف كتاب «الشواطئ المحترقة: داخل المعركة من أجل ليبيا جديدة» فريدريك ويري.

ويرى المحلل السياسي الليبي عصام الزبير أن الموقف الأمريكي الذي وصفه بـ«المتضارب» يبقى غير واضح بدليل أن خبر مكالمة ترامب لم ينشر على موقع البيت الأبيض الإلكتروني، ولا في تغريدات ترامب «المتهاطلة» باستمرار، ويقول الزبير لـ«ساسة بوست»: «تسريب غريب للمقابلة في وقت تنهار فيه قوات حفتر، بالأمس كان الانهيار كبيرًا، فقد تراجعت قواته، وسبق أن قامت الولايات المتحدة بدك التنظيمات المسلحة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ليبيا، في عملية البنيان المرصوص في سرت، حيث حكومة الوفاق التي تحصلت على دعم أمريكي آنذاك».

وينظر المحللون إلى موقف ترامب باعتباره ضوءًا أخضر يحصل عليه حفتر من واشنطن في معركته ضد طرابلس، وهو تحرك خرج بعد أن شعرت واشنطن أن الرجل قد يكون جزءًا مهمًا في الحل السياسي بليبيا، فكما تقول السفيرة الأمريكية السابقة في ليبيا ديبورا جونز، أنَّ: «الرئيس خضع لتأثير تقييمٍ مفرط في التفاؤل بشأن قدرة حفتر على السيطرة على طرابلس».

وأسوة بفرنسا ودول الخليج (السعودية والإمارات) ينظر ترامب إلى ليبيا باعتبارها مرتعًا للإسلام السياسي، فقد أعربت واشنطن عن تخوفها من التوسُّع الجهادي في شمال أفريقيا، كما تنشغل واشنطن أيضًا بالنفوذ الروسي في ليبيا، وتعرب عن مخاوفها من إمداد روسيا لقوات حفتر بكل أنواع المعدات والأفراد والتدريب، ويؤكد الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، والكاتب المتخصص في العلاقات الدولية خالد يايموت أن الدوافع الأمريكية لدعم حفتر جاءت أساسًا من تيار معين داخل البيت الأبيض وليس موقفًا عامًا للإدارة الأمريكية، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «الأمر يتعلق برؤية ترامب لصناعة حلفاء إقليميين يديرون المعارك الأمريكية عبر آلية (التدبير المفوض)، وحفتر يمثل جزءًا من رقعة متقدمة من الأدوات التي تستعملها الدولة الإقليمية التابعة عضويًا لاستراتيجية ترامب في بناء نظام إقليمي عربي جديد؛ تصبح فيها المصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية محمية من دول عربية»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «تعتبر ليبيا محطة لخلق محور يمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي، لكن لحد الآن فإن المؤشرات في ليبيا تؤكد أن أمريكا وحلفائها يجدون صعوبات في تحقيق أهدافهم المعلنة وغير المعلنة».

ـ ميرفت عوف
ـ المصدر: ساسة بوست

الإعلانات

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: